فهرس الكتاب

الصفحة 2130 من 2833

سعديك ، وحنانيك . فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع ؟ قلت: إنما صحّ ذلك لأنّ الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس ، وسور وآيات ، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات ، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب ، ألا أنك تركت الموصوف إلى الصفة ؛ وأصله: كتابًا متشابهًا فصولًا مثاني . ويجوز أن يكون كقولك: برمة أعشار ، وثوب أخلاق . ويجوز أن لا يكون مثاني صفة ، ويكون منتصبًا على التمييز من متشابهًا ، كما تقول: رأيت رجلًا حسنًا شمائل ، والمعنى: متشابهة مثانية . فإن قلت: ما فائدة التثنية والتكرير ؟ قلت: النفوس أنفر شيء من حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليها عودًا عن بدء ، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يغط به وينصح ثلاث مرات وسبعًا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم . اقشعر الجلد: إذا تقبّض تقبضًا شديدًا ، وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس ، مضمومًا إليها حرف رابع وهو الراء ، ليكون رباعيًا ودالًا على معنى زائد . يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره ، وهو مثل في شدّة الخوف ، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل ، تصويرًا لإفراط خشيتهم ، وأن يريد التحقيق . والمعنى: أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده: أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم ، ثم إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة: لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة . فإن قلت: ما وجه تعديه ( لان ) بإلى ؟ قلت: ضمن معنى فعل متعدّ بإلى ، كأنه قيل: سكنت . أو اطمأنت إلى ذلك الله لينة غير متقبضة ، راجية غير خاشية . فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة ؟ قلت: لأنّ أصل أمره الرحمة والرأفة ، ورحمته هي سابقة غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كل شيء من صفاته إلا كونه رؤوفًا رحيمًا . فإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أوّلًا ، ثم قرنت بها القلوب ؟ ثانيًا ؟ قلت: إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب ، فقد ذكرت القلوب ، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد ، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة ، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة: استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم ، وبالقشعريرة لينًا في جلودهم { ذَلِكَ } إشارة إلى الكتاب ، وهو { هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ } يوفق به من يشاء يعني: عباده المتقين ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت