فهرس الكتاب
وحصلت فيه القطعية من كل جهة، فإن الطوفي يمنع أن مثله يخالف المصلحة»، وهذا نص صريح أو كالصريح في أن الطوفي لا يفرض التعاند والتخالف بين المصلحة والنصوص الشرعية التي توافرت لها القطعية من جهة الدلالة والسند، وإن هذا التخالف ممكن ومتصور بين المصلحة ونص ثبت بطريق الظن، كخبر الواحد أو الإجماع المنقول بطريق الآحاد، أو كان ثبوته قطعيا كالقرآن، والخبر المتواتر، والإجماع المنقول بالتواتر، ولكنه ظني الدلالة بأن يكون عاما أو مطلقًا؛ إذ دلالة العام والمطلق عند الجمهور تفيد الظن لا القطع.
حقا إن الطوفي أطلق القول بوجوب تقديم رعاية المصلحة على النص والإجماع في مواضع بحثه، دون أن يفرق بين النص القاطع وغير القاطع، ولكن هذا لا يؤخذ منه أن يرى تقديم المصلحة على النص القاطع، وذلك للأسباب الآتية:
1 -لأن ما أطلقه الطوفي في مواضع من بحثه قيده في عبارته السابقة حيث قرر أن ما حصلت فيه القطعية من كل جهة لا يخالف المصلحة، وإنما يخالفها النص الذي فاتت فيه القطعية من أحد طرفيه إما متنه أو سنده.
2 -في كل موضع أطلق فيه تقديم المصلحة على النص، بين المراد من هذا التقديم بما يفيد ويؤكد: أن النص الذي تقدم عليه المصلحة هو نص ظني الدلالة، أي فاتت قطعيته من جهة متنه، وهاك بعض هذه العبارات.
يقول: إن معنى «لَا ضرر ولَا ضرار» نفي الضرر والمفاسد شرعًا، وهو نفي عام إلا ما خصّه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة (1) .
ويقول: «إن النص والإجماع إن خَالَفَا المصلحة، وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما، بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما» (2) .
(1) «المصلحة في التشريع الإسلامي» ص 208.
(2) المرجع السابق ص 209.