المصالح إذ لو ترك الناس والنظر، لانتشر ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل.
وهذا الضبط من الشارع - خشية الفوضى والاضطراب - يدل على أصل شرعي آخر هو «سد الذرائع» أي منع الوسائل المؤدية إلى محظور أو فساد، فقد منع الشارع من أشياء لجرّها إلى منهي عنه، والتوصل بها إليها.
قال الشاطبي: هذا الأصل مقطوع به في الجملة، قد اعتبره السلف الصالح، فلا بد من اعتباره.
ومما يدل لما ذكرناه هنا من أن الزكاة ليست عبادة محضة، وأنها تخضع للتعليل والقياس، ما أثر عن الصحابة من إدخال بعض الأموال في وعاء الزكاة مما لم يعرف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ منها الزكاة، كما يؤكد ذلك تشاورهم في شأنها، وإدارتهم الرأي حولها، كما فعل عمر في أمر زكاة الخيل وشاور الصحابة فيها قبل أن يقرر فيها حكما.
ولو كانت عبادة وقربة دينية خالصة كالصلاة والصيام، ما أجاز لنفسة أن يستشير في إيجابها، حتى لا يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، ولكنه نظر إلى الزكاة نظرة أخرى باعتبارها حقا من حقوق المال كما قال أبو بكر في شأن مانعي الزكاة: «فإن الزكاة حق المال» .
روى الإمام أحمد في مسنده عن حارثة بن مضرّب: أنه حج مع عمر بن الخطاب، فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا أصبنا رقيقا ودواب، فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها وتكون لنا زكاة فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا من قبلي، «يعني: الرسول الكريم وأبا بكر» ، ولكن انتظروا حتل أسأل المسلمين (1) .
وفي رواية في المسند أيضا عن حارث قال: جاء أناس من أهل الشام إلى
(1) صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر وكذلك الشيخ شعيب، برقم: 218 في تخريج المسند.