قال وهب: قرأت من حكمته نحوا من عشرة آلاف باب لم يسمع الناس كلاما أحسن منه، ثم نظرت فرأيت الناس قد أدخلوه في كلامهم واستعانوا [1] به في خطبهم.
ومن حكمته، أن مولاه دعاه يوما وأراد أن يجر به فقال: اذبح لي شاة وأتني بأطيب مضغتين منها، فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان. ثم قال مولاه: إذبح شاة أخرى وأتني بأخبث مضغتين منها. فذبح شاة وأتاه بالقلب واللسان. فسأله عن ذلك، فقال: إنهما أطيب شيء [2] إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا.
ودخل يوما سيده الخلاء [3] وأطال الجلوس فناداه أن لا تطل [4] الجلوس في الخلاء، فإنه ينجع الكبد ويورث البواسير.
روي أنه لما قال لابنه واسمه باران وهو يعظه: {يََا بُنَيَّ إِنَّهََا إِنْ تَكُ مِثْقََالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} [5] الآية انفطرت مرارته من هيبتها، ومات فكانت آخر كلمة حكمة قالها [6] .
وتوفي ومعه سبعون نبيا في يوم واحد من الجوع ودفن بفلسطين [7] .
ذكر أن لقمان لما احتضر بكى وقال: ما أبكي على الدنيا إنما أبكي على ما أمامي، شقة بعيدة ومفازة سحيقة وعقبة كؤود وزاد قليل وحمل ثقيل. فما أدري أيحط عني ذلك الحمل حين أبلغ الغاية أو يبقى عليّ فأساق معه إلى نار جهنم؟
ولما مات دفن ما بين مسجد الرملة وموضع سوقها. /
(1) في (ب) : واستعانوا بخطبهم.
(2) في (ب) : لم يكن أطيب منهما إذا صلحا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
(3) في (ب) : إلى الجلاء.
(4) في (ب) : لا تطيل.
(5) سورة لقمان، الآية: 16.
(6) في (ب) : فكانت كلمة قالها.
(7) في (أ) : بقرب فلسطين.