فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 1031

والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق ولا كف من سويق فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة من السماء أفزعته فقال صلّى الله عليه وسلّم: يا أمين رب العالمين، هل أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا ولكن أمر إسرافيل أن ينزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرضها عليك وأن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة، فإن شئت فكن نبيا ملكا وإن تكن نبيا عبدا. فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيا عبدا، ثلاثا. فانظر إلى همته العالية كيف عرضت عليه خزائن الأرض فأعرض عنها وأباها، مع أنه لو أخذها لم ينفقها إلا في طاعة الله، لكنه اختار العبودية المحضة فيا لها من همة شريفة رفيعة ما أسناها، ونفس زكية كريمة ما أبهاها.

قال صاحب «الطيوريات» [1] ، بسنده إلى أبي عمرو بن العلاء: إن كعب بن زهير لما أنشد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قصيدته (بانت سعاد) ، رمى إليه بردة كانت عليه، فلما كان زمن معاوية دفع له فيها [2] عشرة آلاف درهم فأبى، فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ منهم البردة.

وقد كانت هذه البردة لم تزل عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب والأعياد، جلوسا وركوبا، وكانت على المستعصم لما خرج لملاقاة هلاكو كبير التتار، وقضيب النبي صلّى الله عليه وسلّم بيده، فأخذهما منه هلاكو وأحرقهما في طبق، وألقى رمادهما في دجلة وقال: إني ما أحرقتهما استهانة بهما، وإنما أحرقتهما تطهيرا لهما، كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى.

وذكر الذهبي في «تاريخه» : أن البردة التي كانت عند الخلفاء هي البردة التي

(1) هو السلفي، على ما ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء 2.

وفي الأصل: صاحب الطوريات.

(2) من (ج) . وفي (أ) و (ب) : دفع فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت