أخذها أبو جعفر غصبا، فبنى فيها مدينة، وهي أم الدنيا وسيّدة البلاد، ومدينة السلام وقبة الإسلام، وقيل بغداد في البلاد كالأستاد في العباد، هواؤها ألطف من كل هواء، وماؤها أعذب من كل ماء، وتربتها أطيب من كل تربة، [وفيها قيل بيت] [1] :
قضى ربّها أن لا يموت خليفة بها ... إنه ما شاء في خلقه يقضي
بناها المنصور أبو جعفر العباسي في سنة ست وأربعين وماية، وليس في الدنيا مدينة مدورة غيرها، وكانت / من العظم [2] بحيث أن كان بها ثلاثون ألف مسجد وعشرة آلاف حمام، وقس على هذا عظما.
موضعان، الأول: هي المدينة المشهورة التي بناها المسلمون على عهد الصحابة، رضي الله عنهم، وهي مدينة عمريّة، وأحصيت مساجدها فكانت ماية ألف وسبعة عشر ألفا، وكان بها من الخلق ما لا يحصى عددهم إلا الذي خلقهم [3] ، وأحصي من كان فيها من المساكين، فكانوا ماية ألف وستين ألفا. وبها نخيل متصلة نيف وخمسون فرسخا كأنما غرست في يوم واحد.
وأحصيت أنهارها فكانت ماية ألف وعشرين ألفا، منها ما يجري فيه الزوارق [4] . ومن عجايبها أنها لو التمست ذبابة واحدة على رطبها أو معاصرها ما وجدت، كذلك الغربان لم يوجد في جميع الدهر غراب ساقط على نخلة، فلولا لطف الله تعالى لتساقطت كلها بنقر الغربان، وذكروا أن ذلك لطلسم. وهي مدينة على قرب البحر، كثيرة النخيل والأشجار، سبخة التربة ملحة الماء.
والثاني: مدينة كانت بالغرب قرب السوس الأقصى خربت.
(1) ما بين الحاصرتين من (ج) .
(2) كذا في (ب) وفي (ج) : «وكانت من أعظم المدن» .
(3) كذا في (ب) وفي (ج) : «إلّا الله الذي خلقهم» .
(4) كذا في (ب) وفي (ج) : «الزورق» .