ثم قال النسائي: عبد الملك بن نافع ليس بالمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته.
ثم ذكر روايات كثيرة تخالف هذه الرواية وقال: (وهؤلاء أهل الثبت والعدالة، مشهورون بصحة النقل، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله جماعة وبالله التوفيق) [1] .
ويبدُو لِي أن طريقة المقارنة والسَّبْر للروايات من الأئمة المتأخرين كانت هي الطريقة الوحيدة في معرفة الثقة من غيره من الرواة المتقدمين.
فإذا لم يوجد في الراوي المتقدم بإسنادٍ صحيح كلام من إمام معاصر له.
كانوا يستعملون هذه الطريقة للحكم عليه وعلى أحاديثه، ولو لم تُعرف عدالته، فالظاهر أنهم كانوا يكتفون بِسَتْر حاله والنظر في مروياته فإن وافق في رواياته الثقات المعروفين وُثّق وإن خالف ضُعف.
ومن نظر كلام ابن عدي في (كامله) وابن حبان في (ضعفائه) ظهر له أنهما كانا يستعملان هذه الطريقة بكثرة واضحة جدًا.
قال ابن حبان في ترجمة: عبد الله بن لهيعة: (قد سَبَرت أخباره في رواية المتقدمين، والمتأخرين عنه فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته يدلس عن قوم ضعفاء على قوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فألزق ذلك الموضوعات بهم) .
قال المحبوس أبو الفضل: ذكر العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه الفريد (التنكيل) [2] بعد كلام طويل: (أن أئمة الحديث لا يَقتصرُون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل: قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع عنه مجلسًا واحدًا أو: حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه،
(1) -كما في: (سنن الصغرى) للنسائي (8/ 323) .
(2) -كما في: (1/ 66/67/ 68/69) .