إلا إذا ثبت لديه سلامته من أي علة قادحة فيه، وليس يخفى على كل من مارس عمليًا فن التخريج، مقرونًا بالتصحيح والتضعيف، وقضى في ذلك شطرًا طويلًا من عمره-وليس في مجرد العزو وتسويد الصفحات به-أن ذلك يتطلب جهدًا كبيرًا ووقتًا كثيرًا، الأمر الذي قد لا يتوفر لمن أراد مثل هذا التحقيق.
وقد يتوفر ذلك للبعض ولكن يعوزه الهمة والنشاط، والدأب على البحث في الأمهات، والأصول المطبوعة والمخطوطة، والصبر عليه، وقد يجد بعضهم كل ذلك، ولكن ليس لديه تلك المصادر الكثيرة التي لا بد منها لكل من تحققت تلك المواصفات التي ذكرنا، مع المعرفة التامة بطرق التصحيح والتضعيف القائمة على العلم بمصطلح الحديث والجرح والتعديل، وأقوال الأئمة فيهما، ومعرفة ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، مع القدرة على تمييز الراجح من المرجوح فيه، حتى لا يكون إمَّعَةً فتأخذ به الأهواء يمينًا ويسارًا، وهذا شي عزيز، قلما يجتمع ذلك كله في شخص، لا سيما في هذه العصور المتأخرة.
وقد رأيت الحافظ المنذري-رحمه الله-قد أشار إلى شيء مما ذكرته من المواصفات بحيث يمكن اعتبار كلامه في ذلك جوبًا صالحًا عن السؤال السابق.
فقال في آخر كتابه (الترغيب) قبيل (باب: ذكر الرواة المختلف فيهم) قال ما نصه: (ونستغفر الله سبحانه وتعالى مما زل به اللسان، أو: داخله ذهول، أو: غلب عليه نسيان، فإن كل مصنِّف مع التؤدة والتأني، وإمعان النظر وطول الفكر قل أن ينفك عن شيء من ذلك، فكيف بـ(المملي) مع ضيق وقته، وترادف همومه، واشتغال باله، وغربة وطنه، وغيبة كتبه؟.
وكيف بكاتب هذه الحروف المحبوس في زنزانة انفرادية مع حراسة عليه مستمرة ليل نهار أكثر من خمس سنوات؟ -وكذلك تقدم في هذا الإملاء أحاديث كثيرة جدًا صحاح، وعلى شرط الشيخين أو: أحدهما، وحسان، لم ننبه على كثير من ذلك، بل: قلت غالبًا: إسناده جيد، أو: رواته ثقات، أو: رواة الصحيح أو: نحو ذلك، وإنما منع من النص على ذلك تجويز وجود علة لم تحضرني مع الإملاء).