فأجبتها-آنذاك-قائلًا: هذا التعبير-أم الفضل-استعمله الحافظ محمد بن بشار بن عثمان العبدي الثقة (ت: 252 هـ) -رحمه الله تعالى-. حيث ليّن به الإمام الحافظ عبد الأعلى بن عبد الأعلى القرشي (ت: 189 هـ) .
فقد نقل عنه الحافظ الذهبي-رحمه الله تعالى-هذا التعبير قائلًا: (والله ما كان يدري أي رجليه أطول) [1] .
والحافظ الكبير بندار-محمد بن بشار- [2] -رحمه الله تعالى-قد استعار تعبيره هذا من أمثال العرب.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: (ما يدري أي طرفيْه أطول) ، ومعناه: (لا يدري أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه) .
وقال البكر في شرح كتاب (الأمثال) : هذا الذي ذكره أبو عبيد هو قول الفراء وأنشد:
وكيف بأطْرافي إذا ما شتمْتَنِي * وما بعد شتمِ الوالديْن صلوح
وقال ابن الأعرابي: طرفاه: ذَكره ولسانه، وقال بعض الشعراء: يجعل مكان الطرفين الرجلين:
أتيتُكَ مُرتادًا من العِلْم بُلْغَةً * لمن ليس يدري أيُّ رِجليْه أطولُ
يَظُن بأن الخَملَ في القَطفِ ثابت * وأن الذي في داخل التين خردلُ [3]
ومن المعنى السابق يتضح لنا أن محمد بن بشار أراد التقليل من شأن عبد الأعلى وعدم معرفته، وأنه ليس بذاك الثقة الثبت، ولقد خالفه في ذلك الأئمة النقاد فوثقه:
(1) - انظر: (ميزان الاعتدال) (2/ 531) ، وفي (سير أعلام النبلاء) (9/ 243) ، قال بندار: (والله ما كان عبد الأعلى بن عبد الأعلى يدري أي طرفيه أطول أو: أي رجليه أطول)
وفي (الضعفاء) للعقيلي (3/ 59) قال: (والله ما كان يدري عبد الأعلى بن عبد الأعلى أن طرفيه أطول أو: أي رجليه أطول) . وقال المحقق في الحاشية (104) بعد أن نقل عبارة (الميزان) : وظاهره أن كلتا العبارتين لا تحمل جرحًا حديثيًا موضوعيًا؟! وفي أصل الكتاب المخطوط واضحة (أي) . كما في: (شرح ألفاظ التجريح النادرة، أو: قليلة الاستعمال) (2/ 57) وما بعدها.
(2) -وبندار: هو محمد بن بشار، شيخ الجماعة، وما روى البخاري لأحد من شيوخه في صحيحه بالمكاتبة إلا لبندار، وذلك في موضع واحد، وقيل له: بندار لأنه كان بُندار الحديثَ. أي: مكثرًا منه، والبندار: المكثر من الشيء يشتريه ثم يبيعه. قاله السمعاني. انظر: (ألقاب ابن الفَرَضي) (23) ، و (نزهة الألباب) (449) ، و (الأنساب) (2\ 311) ، و (البداية والنهاية) (11\ 11) ، و (الإكمال) (1\ 356) ، و (تاريخ بغداد) (2\ 101) ، و (الباعث الحثيث) (2\ 613) .
(3) -انظر: (فصل المقال في شرح كتاب الأمثال) (ص:516) ، و (جمهرة الأمثال) للعسكري (2/ 194) .