وما جاء على هذا الباب لا يكون إلا في صفة الناقة دون الجمل [1] ، وقال ابن منظور: والجماز: البعير الذي يركبه المجمّز، ومنه قول الراجز:
أنا النجاشي على جماز * حاد ابن حسّان عن ارتجازي [2]
ويتبين لنا من هذه المعاني اللغوية أن الجماز صفة البعير الشديد القوي الذي يستطيع أن يحمل على ظهره المحمل، وبالتالي هي نفس المعاني السابقة جمال المحامل أو: (الجمال التي تحمل المحامل) .
ولقد خالف الأئمة النقاد داود بن رشيد في حكمه على سريج بن يونس، حيث وثقوه ... ثم قال-بعد أن ذكر من وثقه-: ومن هذه الأقوال المروية عن الأئمة النقاد يتضح لنا أن داود بن رشيد كان متشددًا في تجريحه هذا لسريج-لا سيما وأن بعض النقاد المتشددين-كابن معين-قد وثقه.
ولا يعول على حكمه هذا لما ذكرنا، ولأن سريج بن يونس خرج حديثه كل من الإمام البخاري والإمام مسلم في (صحيحيهما) ، ومن خرج عنه في (الصحيح) جاز القنطرة [3] .
(1) -انظر: (تهذيب اللغة) (10/ 629/630) ، و (النهاية) (1/ 294) لابن الأثير، و (تاج العروس) (4/ 17) ، و (لسان العرب) (5/ 323) ..
(2) -انظر: (لسان العرب) (5/ 323) .
(3) -وكان الحافظ أبو الحسن علي بن المُفَضَّل المقدسي يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في"الصحيح": (هذا جاز القنطرة) . يعني بذلك أنه لايُلتفتُ إلى ما قيل فيه.
قال الإمام أبو الفتح محمد بن علي وهب القشيري المنفلوطي:"وهكذا نعتقد وبه نقول، ولا يخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة ظاهرة تزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيح".
وقال الحاكم في كتابه (المدخل إلى معرفة رجال الصحيحين) : (والبيان أنهما-يعني الشيخين-لم يخرجا الحديث في كتابيهما إلا عن الثقات الأثبات، إلا عند الاستشهاد بخبر لم يستغنيا فيه عن تقييده بمتابع شاهد، يكون في الحفظ والإتقان دون المتابع لأن كلا منهما قد احتاط لدينه فيما نحا نحوه، وأتعب من بعده في طلب ما خرجه فجزاهما الله عن دينهما ونبيهما-عليهما الصلاة والسلام-خيرًا) .
انظر: (هدي الساري) (ص:384) ، و (الاقتراح) (ص:283) ، و (افتتاح القاري لصحيح البخاري) ضمن (مجموع رسائل الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي) (ص:345\ 346) ، و (شرح ألفاظ التجريح النادرة أو: قليلة الاستعمال) (2\ 12\27) ، و (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:520\ 528\رقم:74) .
وقال الشيخ مصطفى بن إسماعيل في كتابه: (شفاء العليل ... ) (1\ 321\322) تحت قول الذهبي-رحمه الله-في تصانيفه: (فلان قفز القنطرة) : (ذكر الحافظ ابن حجر في"هدي الساري مقدمة فتح الباري"(ص:384 - الفصل التاسع) ومن قبله ابن دقيق العيد أن أبا الحسن المقدسي-رحمه الله-كان يقول فيمن خُرِّج في الصحيح:"هذا حاز القنطرة"، قال الحافظ:"يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه".
واستعمل هذا اللفظ الذهبي في كثير من الرواة فقد قال في عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبي بكر الحافظ الكبير:"ممن قفز القنطرة وإليه المنتهى في الثقة"-كما في"الميزان" (2\ 490) -وقال في خالد بن مخلد القطواني-كما في"الميزان" (2\ 615) :"وخالد ذو مناكير لكنه قفز القنطرة"كما في ترجمة: عبد السلام بن حفص، وقال في يحيى بن معين:"ويحيى قد قفز القنطرة، بل: قد قفز من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي"-كما في (الميزان) (4\ 410) -ردًا على أحمد حين قال:"أكره الكتابة عمن أجاب في المحنة كيحيى وأبي نصر التمار"، وقد يعبر الذهبي عن ذلك بعبارات مرادفة، كقوله في محمد بن كثير العبدي:"الرجل ممن طفر القنطرة وما علمنا به شيئًا منكرًا يُليَّن به"-كما في"السير" (10\ 384) -وكقوله في إسماعيل بن عبد الله بن أويس:"الرجل وثب إلى ذلك البر واعتمده صاحبا"الصحيحين"ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تنغمر في سعة ما روى فإنه من أوعية العلم"انتهى.
فالذي يظهر من هذا اللفظ أنه يقال في الأئمة الأثبات ويقال فيمن فيه كلام لا يضره ما دام داخل الصحيح، أما إذا كان خارج الصحيح نالته سهامهم، والله أعلم.
واستعمل هذا اللفظ أبو علي الحافظ بمعنى المدح الرفيع ولا التفات إلى من تكلّم في الراوي وإن لم يُخَرَّج للراوي في"الصحيحين"، كقوله في جوصاء:"هذا إمام من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة"-كما في"تذكرة الحفاظ" (3\ 797) للذهبي).