فيصعب عليه معرفة مراده في بعض الأحيان هل أراد التوثيق أو: قصد التجريح؟ حتى إن الحافظ العراقي وهو إمام هذا الفن في وقته التبس عليه مراد أبي حاتم في قوله: (هو على يدي عدل) حيث عدها في ألفاظ التوثيق وهي في الحقيقة من ألفاظ التجريح.
قال ابن حجر العسقلاني-رحمه الله تعالى-: كنت أظن أنها من ألفاظ التوثيق حتى ظهر لي أنها عند ابن أبي حاتم من ألفاظ التجريح ومن وقف على عبارات القوم ومصطلحاتهم فيها فَهِمَ مقاصدهم ومراميهم، ولكي أسهل لك مهمة التّعرف على بعض هذه العبارات التي استعملت في تجريح الرجال وتوثيقهم سأقوم بشرح بعض ألفاظها شرحًا مبسطًا لعلك بها تهتدي وبسلوك أهلها تقتدي).
ثم إن قولهم: (هو على يدي عدل) : (هذه العبارة من ألفاظ التجريح وأول من استعملها أبو حاتم الرازي، وكان البعض يظنها من ألفاظ التعديل منهم الحافظ العراقي وقد نقل ذلك عنه تلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني، والعبارة كما عرفها تلاميذ الحافظ العراقي في أنها كناية عن الهالك وهو تضعيف شديد.
وذكرها أبو حاتم الرازي في جبارة بن المغلس وشبهه بالقاسم بن أبي شيبة وكلاهما ضعيف متروك الحديث، وكانت طريقة أبي حاتم في تخريجه لبعض الرواة ينعتهم بأكثر من لفظ أو: يجمع ألفاظًا مترادفة، ويعْقبها بلفظة شديدة قاسية، فيذكر أحدهم مجرحًا له بقوله: ضعيف الحديث، ليس بقوي [1] .
(1) -فائدة: قال الشيخ خليل العربي في هامش: (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:95\ 96\رقم:106) تحت مدلول قولهم في الراوي: (ليس بالقوي) -عند قول الحافظ الذهبي في (تاريخ الإسلام) (8\ 79) في ترجمة: حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، مشَّاه النسائي، وقال:"ليس بالقوي": (وقال الإمام الذهبي في كتابه:"الموقظة"(ص:82) ، أو: (ص:118\ 119) : (وقد قيل في جماعات:"ليس بالقوي"، واحتُج به، وهذا النسائي قد قال في عدة:"ليس بالقوي"، ويُخرج لهم في كتابه، فإن قولنا:"ليس بالقوي"، ليس بجرح مفسِد) .
قال المسجون: (تخريج النسائي لحديث الراوي لا يقتضي أن يكون توثيقًا له عند أئمة هذا الشأن، وقول الحافظ الذهبي فيمن قيل فيه:(ليس بالقوي) أنه جرح غير مفسد: يعني: أنه لا يصل به إلى الضعف الشديد، بل: ضعفه محتمل، وحديثه قد يحسن أو: يصحح إذا تابعه عليه الثقات، بخلاف المتروك والواهي والمتهم والكذاب والوضاع.
قال الشيخ المحدث الألباني في (السلسلة الصحيحة) (2\ 28) : "فإن ثمة فرقًا أيضًا بين قول الحافظ:"ليس بالقوي"، وقوله: "ليس بقوي"، فإن هذا ينفي عنه مطلق القوة، فهو يساوي قوله:"ضعيف"، وليس كذلك قوله الأول:"ليس بالقوي"فإنه ينفي نوعًا خاصًا من القوة، وهي قوة الحفاظ الأثبات)."
وقال أيضًا في (النصيحة) (183) : (قول أبي حاتم:"ليس بالقوي": فهذا لا يعني أنه ضعيف، لأنه ليس بمعنى:"ليس بقوي"؛ فبين هذا وبين ما قال فرق ظاهر عند أهل العلم، ويؤيده أنه سئل: كيف حديثه؟ فقال:"صالح، هو لين الحديث". فهذا يعني أنه وسط حسن الحديث) .
وقال العلامة المحدث المعلمي اليماني في كتابه النافع والممتع: (التنكيل) (1\ 232) : (بين العبارتين فرق، فكلمة:"ليس بقوي"، تنفي القوة مطلقًا، وإن لم تثبت الضعف مطلقًا، وكلمة:"ليس بالقوي"، إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة، والنسائي يراعي هذا الفرق، فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء، منهم:
10 عبد ربه بن نافع،
2 -وعبد الرحمن بن الغسيل،
فبيّن ابن حجر في ترجمتيهما من مقدمة (الفتح) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقرانهما). انتهى من (قناص الشوارد الغالية ... ) (ص:1069) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (3\ 78\81) .
قال الحافظ الذهبي في (الموقظة) (ص:83) ، أو: (ص:118\ 119\127 - الجمع بين الموقظة والاقتراح) : (وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم:"ليس بالقوي"، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي الثبت. والبخاري قد يُطلق على الشيخ:"ليس بالقوي"ويريد أنه ضعيف) .
وقال الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) (ص:405) : (أحمد بن بشير الكوفي، قال النسائي: ليس بذلك القوي، فأما تضعيف النسائي له، فمشعر بأنه غير حافظ) . وقال أيضًا في (الهدي) (ص:416) : (الحسن بن الصباح البزار قال النسائي في الكنى:"ليس بالقوي". قلت: هذا تليين هين) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (إقامة الدليل) (3\ 243) ضمن"الفتاوى الكبرى"، عند ذكر (عتبة بن حُميد الضبي البصري) : (قال فيه الإمام أحمد: ضعيف ليس بالقوي، لكن أحمد يَقصد بهذه العبارة"ليس بالقوي"أنه ليس ممن يصحح حديثه، بل: هو ممن يُحَسَّن حديثه. وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفًا، ويحتجون به، لأنه حسن، إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسومًا إلا إلى صحيح وضعيف!) . انظر: (قواعد في علوم الحديث) (ص:394) للتهانوي، و (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ... ) (ص:154) كلاهما بتحقيق: شيخنا العلامة عبد الفتاح أبي غدة، و (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:186) ، انظر ما قيل في تقسيم مقبول ومردود، وصحيح وحسن وضعيف في (علوم الحديث) (ص:10) للحافظ ابن الصلاح، و (الباعث الحثيث) (1\ 99) تحقيق: أحمدج شاكر، والألباني.