يصيبه جميعهم مع اختلافهم [1] .
(1) -انظر: (الفقيه والمتفقه) (2/ 61) . تنبيه: زعم الأشاعرة: (أن كل مجتهد مصيب!!) . صوابه أن يقال:"كل مجتهد عند نفسه مصيب، إذ الحق واحد في أحد القولين أو: الأقوال". أو: يقال:"لكل مجتهد نصيب، إذ له أجران إن أصاب، وأجر واحد إن لم يُصِبْ".
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: هل كل مجتهد مصيب؟ أو: المصيب واحد والباقي مخطئون؟ فأجاب قائلًا:(قد بسط الكلام في هذه المسألة في غير موضع، وذكر نزاع الناس فيها، وذكر أن لفظ الخطأ قد يراد به الإثم، وقد يراد به عدم العلم.
فإن أريد الأول فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب؛ فإنه مطيع لله ليس بآثم ولا مذموم، وإن أريد الثاني فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره، ويكون ذلك علمًا بحقيقة الأمر لو اطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه، ولكن الواصل إلى الصواب له أجران، كما قال النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في الحديث المتفق على صحته:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر").
حتى زعم عبيد الله بن الحسن العنبري أنَّ:"كل مجتهد من أهل الأديان مصيب، فكفره القاضي أبو بكر وغيره". وذكر الشاطبي في (الاعتصام) (1\ 147\148) أن هذا من باب زلة العالم، والرجل قد تاب إلى الله وقال كلمته المشهورة:"إذًا أرجع وأنا من الأصاغر، ولأن أكون ذَنَبًا في الحق أحب إليَّ من أن أكون رأسًا في الباطل".
وذكر ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) (2\ 81\82\ 88\89) أن ابن القاسم قال: (سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: ليس كما قال ناس:"فيه توسعة"ليس كذلك إنما هو خطأ وصواب) .
وقال أشهب: سئل مالك عمن أخذ بحديث حدث به ثقة عن أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أتراه من ذلك في سعة؟ فقال: لا والله حتى يصيب الحق، ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابًا جميعًا؟! ما الحق والصواب إلا واحد.
وقال المزني-صاحب الإمام الشافعي-:"وقد اختلف أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فخَطَّأ بعضهم بعضًا، ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقبها، ولو كان قولهم كله صوابًا عندهم لما فعلوا ذلك، وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أُبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد، إذ قال أبي: إن الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك والثياب قليلة، فخرج عمر مغضبًا، فقال: اختلف رجلان من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ممن ينظر إليه ويؤخذ عنه! وقد صدق أبي، ولم يأل ابن مسعود، ولكني لا أسمع أحدًا يختلف فيه بعد مقامي هذا إلا فعلت به كذا وكذا".
وقال الإمام المزني أيضًا: (يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة، فقال أحدهما: حلال، والآخر: حرام، أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق: أبأصل قلت هذا أم بقياس؟ فإن قال: بأصل، قيل له: كيف يكون أصلًا والكتاب ينفي الاختلاف؟! وإن قلت: بقياس، قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل، فضلًا عن عالم) .
فإن قال قائل: يخالف ما ذكرته عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد ما جاء في كتاب"المدخل الفقهي" (1\ 89) للأستاذ الزرقاء:"ولقد همَّ أبو جعفر المنصور ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب الإمام مالك وكتابه:"الموطأ"قانونًا قضائيًا للدولة العباسة، فنهاهما مالك عن ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب".
وأقول-القائل: المحدث الألباني-: إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك-رحمه الله تعالى-، لكن قوله في آخرها:"وكل مصيب"مما لا أعلم له أصلًا في شيء من الروايات والمصادر التي وقفت عليها اللهم إلا رواية واحدة أخرجها أبو نعيم في"الحلية" (6\ 332) بإسناد فيه المقدام بن داود، وهو ممن أوردهم الذهبي في"الضعفاء"ومع ذلك فإن لفظها:"وكلٌّ عند نفسه مصيب".
فقوله:"عند نفسه"يدل على أن رواية"المدخل"مدخولة، وكيف لا تكون كذلك وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد كما سبق بيانه، وعلى هذا كل الأئمة من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المجتهدين وغيرهم.
قال ابن عبد البر في (جامعه) (2\ 88) : (ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطَّأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله، ولقد أحسن من قال:
إثبات ضدين معًا في حال # أقبح ما يأتي من المحال
فإن قيل: إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام فلماذا أبى الإمام على المنصور أن يجمع الناس على كتابه:"الموطأ"ولم يُجِبْهُ إلى ذلك؟ فأقول: أحسن ما وقفت عليه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في"شرح اختصار علوم الحديث" (ص:31) وهو أن الإمام مالك قال:"إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها"... ).
انظر: (مجموع الفتاوى) (20\ 19\26) ، و (أحكام أهل الذمة) لابن القيم (1\ 22) ، و (معجم المناهي اللفظية) (ص:459\ 464) ، و (صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) (ص:63) ، والنسخة التي عندي داخل السجن طبعة المكتب الإسلامي (ص:30\ 36\39) .