قلت: هذا اللفظ إذا أطلقه البخاري انصرف إلى الضعف المحتمل، وهو من يكتب حديثه للاعتبار [1] ، فإذا وافق حديثه حديث الثقات كان صحيحًا، وإلا كان منكرًا مردودًا.
(1) - قال أبو الحسن المصري في (شفائه) (485\ 486) : (وفرق بين قولهم:"فلان يكتب حديثه للاعتبار"، و"فلان لا يكتب حديث إلا للاعتبار": فالقول الأول: غالبًا ما يكون من جملة ألفاظ الشواهد والمتابعات، بمعنى أن الراوي يكتب حديثه وينظر هل له ما يقويه أم لا، وهذا يدل على أن الضعف في حديثه محتمل لا يترك حديثه من أجله، وقد جاء في"الكامل"(3\ 1196) ترجمة: سعد بن سنان الحمصي أبي مهدي أحد العُبَّاد قال السعدي:"فلما رجعت إلى العراق ذكرت أبا المهدي ليحيى بن معين وقلت: ما منعك يا أبا زكرياء أن تكتبها؟ قال: من يكتب تلك الأحاديث من أين وقع عليها؟ لعلك كتبت منها يا أبا إسحاق؟ قلت: كتبت منها شيئًا يسيرًا لأعتبر به، قال: تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل".
لكن هذا اللفظ قد يرد في الجرح الشديد أيضًا كما في"الميزان" (1\ 662) ترجمة: خلف بن محمد الخيام البخاري قال الحاكم وأبو زرعة:"كتبنا عنه الكثير ونبرأ من عهدته وإنما كتبنا عنه للاعتبار". وقال الحاكم فيه أيضًا:"سقط حديثه برواية حديث:"نهى عن الوقاع قبل الملاعبة"وقال عقيبه: خذل خلف بهذا وبغيره"، وأما اللفظ الثاني:"فلان لا يكتب حديثه إلا للاعتبار"فما أكثر التراجم التي يطلق فيها ابن حبان في كتابه"المجروحين"هذا اللفظ ويقصد به الجرح الشديد، ومعناه حينئذ أن حديث الراوي يكتب للاتعاظ ولتحذير الناس منه وكشف أمره وبيان حاله، والله أعلم).
قال المحبوس أبو الفضل: وقد صححت كلام السعدي من كتابه: (أحوال الرجال) (ص:168\ 169\رقم:301) لأن أبا الحسن المصري تصرف في كلام السعدي ونقله بمعناه، فرجعت للنسخة التي عندي داخل زنزانتي فنقلته بلفظه.
قال الحافظ الذهبي في (السلبيل ... ) (ص:83\ 86\رقم:85\ 86\87\ 88) الفصل الثاني: (مدلول قول أبي حاتم الرازي في الراوي:"يكتب حديثه") : (قال أبو حاتم في"الجرح والتعديل"(9\ 56) في ترجمة: (هشام بن حسان القردوسي) : (كان هشام بن حسان صدوقًا، قلت-يعني: ابنه-: ما تقول فيه؟ قال: يكتب حديثه) .
قلت-القائل الذهبي في"السير" (6\ 360) : قد علمت بالاستقراء التام أن أبا حاتم الرازي إذا قال في رجل:"يكتب حديثه"، أنه ليس بحجة. وقال أيضًا في"الميزان" (2\ 385) ومن ذلك قوله-يعني: أبا حاتم-:"يكتب حديثه"، أي: ليس بحجة.
وقال أبو حاتم في (الجرح والتعديل) (8\ 465) في ترجمة: (نصر بن أوس الطائي) : (يكتب حديثه) . قلت-القائل الذهبي في (تاريخ الإسلام) (9\ 304) : (هذا القول من أبي حاتم دال على أنه ليس بحجة، مع أني لم أودع في كتابيَّ اللذيْنِ في الضعفاء شيئًا من هذا النمط، تبعت أبا الفرج ابن الجوزي وغيره.
وقال أبو حاتم في (الجرح والتعديل) :"الوليد بن كثير المزني، يكتب حديثه".قال الذهبي في (الميزان) (4\ 345) : قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق، ولا هو بصيغة إهدار)
قال الشيخ خليل بن محمد العربي: (وعبارة:"يكتب حديثه"استعملها غير واحد من أئمة"الجرح والتعديل"وأكثر من استعملها فيهم على الإطلاق الإمام أبو حاتم الرازي-رحمه الله تعالى-، وأكثر ما تجيء في كلامه تكون مركبة ومقرونة بقوله:"ولا يُحتج به"، فيقول مثلًا:"فلان يكتب حديثه، ولا يحتج به". ومن الملاحظ أن هذا التعبير سواء على الإفراد أو: التركيب يأتي على وجهين:
الأول: مقترنًا مع غيره بصيغة من صيغ التضعيف ليدل على ضعف من قيل فيه هكذا، وذلك مثل قوله في:
1 -إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر فقال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 153) :"ليس بقوي، يكتب حديثه".
2 -أجلح بن عبد الله بن حجية، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 347) :"الأجلح لين، ليس بالقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به".
3 -بشير بن ميمون أبو صيفي الواسطي، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 379) :"ضعيف الحديث، وعامة روايته مناكير، يكتب حديثه على الضعف".
4 -بشار بن قيراط النيسابوري، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 418) :"مضطرب الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به".
5 -مسلم بن خالد الزنجي، قال-كما في"الجرح والتعديل" (8\ 183) :"ليس بذاك القوي، منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر".
الآخر: مقترانًا مع غيره بصيغة من صيغ التعديل؛ وذلك مثل قوله في:
1 -أحمد بن هاشم الرملي، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 80) :"صدوق، يكتب حديثه، ولا يحتج به".
2 -إبراهيم بن الزبرقان التميمي، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 100) :"محله الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به".
3 -إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 117) :"صالح لا بأس به، قلت-يعني: ابن أبي حاتم-يحتج به؟ قال: يكتب حديثه".
4 -أيوب بن أبي مسكين أبو العلاء القصاب قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 259) :"لا بأس به، شيخ صالح، يكتب حديثه ولا يحتج به".
5 -باذان بو صالح، مولى أم هانئ، قال-كما في"الجرح والتعديل" (2\ 432) :"صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به".
ومن الملاحظ أن كلا العبارتين سواء جاءتا مفردتين، أو: مركبتين، وسواء اقترنتا بلفظ من ألفاظ التجريح أو: التعديل فإنهما تدلان على أن من قيل فيه هكذا يصلح حديثه للاعتبار، ولا يحتج به فيما انفرد به من مرويات، كما حرره تمامًا الإمام الناقد الذهبي-رحمه الله تعالى-حيث قال:"ليس بصيغة توثيق، ولا هو بصيغة إهدار".
ولكن-وكما هو معلوم-أن هذا التعبير إذا جاء مقترنًا بصيغة من صيغ التعديل كأن أرفع شأنًا مما إذا اقترن بلفظ من ألفاظ التجريح. هذا وكما ذكرنا سابقًا أن استعمال هذا التعبير لم يكن مقتصرًا على الإمام أبي حاتم الرازي، بل: كان شائعًا بين أئمة الجرح والتعديل، وأغلبهم استعملوه فيما استعمله الإمام أبو حاتم نفسه، ومن هؤلاء الأئمة:
1 -قال ابن عدي:
أ-كما في"كامله" (7\ 254) -لما ترجم ليحيى بن سلام البصري:"هو ممن يكتب حديثه مع ضعفه".
ب-وقال-كما في"كامله" (7\ 276) -في ترجمة: يزيد بن أبي زياد الكوفي:"ويزيد من شيعة أهل الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه".
ج-وقال-كما في"كامله" (2\ 192) -في ترجمة: الحارث بن نبهان الجرمي:"وللحارث هذا غير ما ذكرت من أحاديث حسان، وهو ممن يكتب حديثه".
د-وقال-كما في"كامله" (5\ 228) :"احتمله الناس، وهو مع ضعفه يكتب حديثه".
2 -العقيلي:
قال-كما في"فتح الباري" (11\ 110) ولم أجده في"ضعفائه":"عبيد الله بن سعيد بن مسلم يكتب حديثه، وينظر فيه".
3 -ابن عبد البر:
قال في (التمهيد) (23\ 123) :"جابر الجعفي، وقد أجمعوا على أنه يكتب حديثه، واختلفوا في الاحتجاج به". انتهى من (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:83\ 86\رقم:85\ 88) ، و (القول الحصيف ... ) (ص:119\ 120) .