قال الذهبي في: (الميزان) (1/ 56) : (ما كل من روى المناكير يُضَعَّف) وقال الإمام ابن دقيق العيد: قولهم في الراوي: (روى مناكير) لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث، لأن منكر الحديث. وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه [1] .
وقال المحدث الألباني أيضًا في حاشية كتابه: (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة) (ص:74/ 75) : (وهذا الذي قاله ابن دقيق العيد في غاية التحقيق فهو بالاعتماد عليه حقيق بخلاف ما نقله اللكنوي في(الرفع والتكميل) (ص:144 - طبعة حلب) عن الذهبي مما يفيد التسوية بين قولهم: (له مناكير) و (منكر الحديث) [2] وإن أقره عليه المعلق، فإنه لا دراية له في هذا الفن وإنما هو قماش جماع-).
وسأنقل لكم ما قال اللكنوي في هذا الموضوع مع تعليق شيخنا أبي غدة في كتابي الذي أسميته: (القول الحثيث فيمن قال فيه البخاري: فلان منكر الحديث) [3] -فلا يخفى على طالب العلم أن قوله: (فيه مناكير)
(1) -انظر: (فتح المغيث) للسخاوي (1/ 346/347) .
(2) -قال الحافظ الذهبي في: (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:79\ 80\رقم:80) في الفصل الثاني: (الثاني والثلاثون: مدلول قول البخاري في الراوي:"بعض أحاديثه مناكير") : (عبد الله بن معاوية الزبيري، قال البخاري:"منكر الحديث".
وقال أيضًا: في كتاب"الضعفاء الكبير":"عبد الله بن معاوية من ولد الزبير بن العوام بصري بعض أحاديثه مناكير": قلت-القائل: الذهبي-في (تاريخ الإسلام) (12\ 251) : العبارتان معناهما واحد، لأن من كان بعض أحاديثه منكرة فهو أيضًا منكر الحديث، لا نعني به أن كل ما رواه منكر، فإذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناكير، فهو منكر الحديث).
قال الشيخ خليل بن محمد العربي:(ولكن الأولى أن تطلق كل عبارة من هاتين العبارتين على ما يقتضيه حال الراوي، فإن كان ممن روى جملة وفيرة من المرويات، ووقع فيها بعض المناكير، فيقال فيه حينئذ:"بعض أحاديثه مناكير"ولا يقال فيه:"منكر الحديث"حتى لا ينجر هذا الحكم على كل مروياته.
وأما إذا كانت النكارة هي الغالبة على مروياته فيقال فيه حينئذ: منكر الحديث) .
(3) -تنبيه: قد يطلق الإمام البخاري عبارة: (منكر الحديث) في ترجمة الراوي ولا يريد بها الراوي نفسه؛ بل: يقصد بها الحديث الذي أورده في ترجمة هذا الراوي، مثاله: ما جاء في ترجمة: سنان بن عبد الله الجهني من"تاريخه الكبير" (4\ 61\162) فإنه قال بعد روايته حديثاُ من طريق سنان: (منكر الحديث) ، والبخاري لا يقصد بعبارته هذه سنانًا، لأنه صحابي، فيتوجه كلامه حينئذ لروايته.
ثم إن بعض الأئمة يطلق عبارة: (منكر الحديث) ، ويريدون بها مطلق التفرد، ومن هؤلاء:
أ-الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله-:
فقد قال الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) (ص:459) في ترجمة: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي:"وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول-وذكره-: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير. قلت-القائل: هو ابن حجر-: المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له فيحمل هذا على ذلك".
وقال في ترجمة: يزيد بن عبد الله بن خصيفة من"هدي الساري" (ص:476) :"وروى أبو عبيد الآجري، عن أبي داود، عن أحمد أنه قال: منكر الحديث."
قلت: هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله"."
ب-الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي:
ذكر الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) (ص:478) في ترجمة: يونس بن القاسم الحنفي:"قال البرديجي: منكر الحديث، قلت: أوردت هذا لئلا يستدرك علي، وإلا فمذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد، سواء تفرد به ثقة أو: غير ثقة، فلا يكون قوله: منكر الحديث، جرحًا بيّنًا".
ونقل السخاوي-رحمه الله تعالى-في (فتح المغيث) (2\ 126) عن الحافظ العراقي-رحمه الله تعالى-قوله:"وكثيرًا ما يطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثًا واحدًا".
قلت-القائل: السخاوي-: وقد يطلق ذلك على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء، قال الحاكم: قلت للدارقطني: سليمان ابن بنت شرحبيل؟ قال: ثقة، قلت: أليست عنده مناكير؟ قال: يحدث بها عن قوم ضعفاء، فأما هو فثقة". انتهى من هامش: (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:80\ 81\رقم:80) في الفصل الثاني: (الثاني والثلاثون: مدلول قول البخاري في الراوي:"بعض أحاديثه مناكير") ."