الغزوات عن أسلافهم، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا عنهم ليعلم ذلك من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية [1] إلا عن متقن صدوق).
فالجرح إذا صدر من تعصب أو: عداوة أو: منافرة ونحو ذلك، فهو جرح مردود، ولا يؤمن به إلا المطرود [2] . قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (في ترجمة السَّمِين المفسّر:(أبي عبد الله محمد بن حاتم البغدادي) ... وثقه ابن عدي والدارقطني، وذكره أبو حفص الفلاّس فقال: ليس بشيء.
قلت: هذا من كلام الأقران [3] الذي لا يسمع، فإن الرجل ثبْت [4] حجة).
(1) -الرواية: هي نقل الأحاديث والإخبار بها. وقال بعض المحدثين: هي الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام، وخلافها الشهادة، ولها أحكام مذكورة في كتب أصول الحديث. انظر: (معجم مصطلحات توثيق الحديث) (ص:37) ، وعنه صاحب (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:116\رقم:313) ، و (ثمرات النظر في علم الأثر) (ص:94\ 95) تحت عنوان: (الفرق بين الشهادة والرواية) ، و (الفروق) للقرافي (1\ 4\5) ، و (الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة) (ص:209) .
(2) -انظر: (الرفع والتكميل ... ) (ص:409/ إيقاظ-25 - في بيان حكم الجرح غير البرئ) . كالجرح بسبب التحاسد، أو: الاختلاف في المذهب، أو: المشرب، لأن الاختلاف بين العلماء في المذاهب والمشارب، أمر مركوز في الطبائع والفِطَر الإنسانية، ولا يمكن انتفاؤه في صفوف أهل العلم والفضل والصلاح، قال الإمام أحمد في الإمام إسحاق بن راهويه: (لم يَعْبُر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا) كما في (تاريخ بغداد) (6/ 348) .انتهى من (ذاكرة سجين مكافح) (1\ 78) .
(3) -قال الذهبي: (كلام الأقران بعضهم في بعض مُهْدَر لا عبرة به) . انظر: (السير) (1/ 140/7/ 46/270/ و 11/ 432/ و 12/ 61/285/ 462/و 14/ 40/42/ 505/385/و 19/ 17/24/و 20/ 597) ، و (الميزان) (2/ 200) ، ومواضع أخرى تجدها في: (ذاكرة سجين مكافح) (1\ 100) وما بعدها. انظر للزيادة ما سبق في هذا الكتاب آنقًا.
(4) -قال السخاوي في (فتح المغيث) (ص:157) ، أو: (1\ 337) :"ثبْت، بسكون الموحدة: الثابت القلب واللسان والكتاب، والحجة". وهي من المرتبة الأولى من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح والنووي، ومن الثانية عند الذهبي والعراقي، ومن الثالثة عند ابن حجر والسيوطي، ومن الرابعة عند السخاوي والسندي. انظر: (معجم علوم الحديث النبوي) (79\رقم:189) .
وأما بالفتح-"ثَبَت"-فما يُثبت فيه المحدث مسموعه مع أسماء المشاركين له فيه، لأنه كالحجة عند الشخص لسماعه وسماع غيره.
قال شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة-رحمه الله تعالى-في هامش: (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:132\ 133) : (قلت: ولفظ(ثَبْتٍ) بسكون الباء يُجمع على أثبات-وهو جمع مسموع كثيرُ الورود، جَمعتُ منه ما زاد على مائة خلافًا لمن قصره على ثلاثة ألفاظ أو: نحوها-ويقال أيضًا:"ثَبَتٌ"بفتح الباء بمعناه أيضًا، ويُجمع على أثبات أيضًا، ففي (القاموس) وشرحه:"ثَبَت الشيء يَثبُت ثَباتًا وثُبوتًا، وثَبيت بفتح فسكون. شيء ثَبْت أي: ثابت. وفي (المصباح) : رجلٌ ثَبْتٌ ساكن الباء: مُتَثَبِّتٌ في أموره، وثَبْت الجَنان: ساكن القلب."
ووجدتُه من الأثبات، والأعلام الثقات، وهو ثَبَتٌ من الأثبات، إذا كان حُجةً لثقته في روايته، وهو جمعُ ثَبَتٍ محركة، وهو الأقيس، وقد يسكن وَسَطه. وفي"المصباح": ثَبُتَ في الحرب فهو ثَبِيتٍ، مثال قَرُبَ فهو قريب، والاسم ثَبَتٌ بفتحتين، ومنه قيل للحُجَّةِ-أي: الرجل-ثَبَتٌ بفتحتين إذا كان عدلًا ضابطًا". انتهى بإتمام عبارته وإصلاحها من"المصباح"."
وعليه: فعند اللغويين يقال: (ثَبْتٌ) بسكون الباء و (ثَبَتٌ) بفتحها، بمعنى واحد وخَصَّ المحدثون (الثَّبْتَ) بسكون الباء: بثابت القلب واللسان والكتاب،-كما تقدم في عبارة السخاوي-.
و (الثَّبْتُ) عند المحدثين: ثبتان، جاء في (تهذيب التهذيب) (5\ 260) ، في ترجمة: (أبي صالح عبد الله بن صالح المصري) كاتب الليث، ما يلي:"قال أبو هارون الخُرَيْبِي: ما رأيتُ أثبتَ من أبي صالح، وسمعتُ يحيى بن معين يقول: هما ثبتان:"
1 -ثَبْتُ حفظ،
2 -وثبت كتاب، وأبو صالح كاتب الليث: ثَبْتُ كتاب"."
قال الحافظ ابن حجر في (نكته على ابن الصلاح) (ص:21) من المخطوطة:"من اعتمد في روايته على ما في كتابه لا يُعابُ، بل: هو وصف أكثر رواة الصحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين، لأن الرواة الذين (للصحيح) على قسمين:"
1 -قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم، فكان الواحد منهم يَتعاهد حديثَه ويُكرِّر عليه مُثَبِّتًا له. وسهَّل ذلك عليهم قُربُ الإسناد وقلةُ ما عند الواحد منهم من المتون، حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يُشار إليه بالأصابع، ومن هنا دَخَل الوَهَمُ والغلطُ على بعضهم، لِمَا جُبِلَ عليه الإنسان من السهو والنسيان.
2 -وقسم كانوا يَكتبون ما يَسمعونه، ويحافظون عليه، ولا يُخرجونه من أيديهم، ويُحَدثون منه، وكان الوَهَم والغلط في حديثهم أقلَّ من أهل القسم الأول، إلا من تساهل منهم، كمن حدث من غير كتابه، أو: أخرج كتابه من يده إلى غيره، فزاد فيه ونقص وخَفِي عليه. فتكلم الأئمة فيمن وقَعَ له ذلك منهم.
وإذا تقرر هذا، فمن كان عدلًا لكنه لا يَحفظ حديثَه عن ظهر قلب، واعتمَد على ما في كتابه، فحدَّثَ منه، فقد فَعَلَ اللازمَ له، وحديثُه على هذه الصورة صحيح بلا خلاف"."
ولقد تَبارى الأئمة المحدثون في حفظ الكتاب، والمحافظة عليه من أن تمتدَّ إليه يدٌ بالتغيير والتبديل-وكانت الكتب مخطوطةً تُساعد على ذلك، ووقع ذلك كثيرًا! ففي"ميزان الاعتدال" (3\ 286) ، في ترجمة: (عمرو بن مالك الراسبي البصري، قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل-وهو البخاري-: هذا كذاب، كان استعار كتاب أبي جعفر المسنَدي، فألحق فيه أحاديث) .
وفيه أيضًا: (1\ 130) :"أحمد بن محمد بن أحمد، أبو العباس القارئ الهمذاني الصوفي، عن أبي عبد الله بن فَنْجُويه. قال إلْكِيَا-الهَرَّاسي-تركت الرواية عنه، لأني رأيت في جزء قد حَكَّ اسمًا وجعل اسمَه مكانَه".
وانظر أخبارًا في تصرف بعض الرواة في كتب أبي زرعة الرازي، في ترجمته في"تقدمة الجرح والتعديل"لابن أبي حاتم (ص:332\ 333) .
ولهذا اشتد حفظهم عليها، حتى ضُرب ببعضهم المثَلُ في قوة الحفظ والضبط لكتابه، جاء في"تذكر الحفاظ"للذهبي (2\ 608\609) ، في ترجمة: (ابن دِيزيل) :"الحافظ الرحَّال، أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين بن دِيزِيل، الكسائي الهمذاني، المتوفى سنة (281 - رحمه الله تعالى) ."
وكان يُضرب بضبط كتابه المَثَل، قال صالح بن أحمد محدث همَذَان: سمعت عليَّ بن قيس يقول: الإسناد الذي يأتي به ابن دِيزيل، لو كان فيه أن لا يؤكل الخبزُ، لوجَبَ أن لا يؤكل، لصحة إسناده. وقيل: إنه سمع خبر أبي جمرة عن ابن عباس، من عفان بن مسلم البصري أربعمائة مرة"."
ودِيزيل بوزن جبريل، كما ضبطه الزبيدي في (تاج العروس) (7\ 322) وصاحب"القاموس"في (سفَنَ) . ووقع في (طبقات الحفاظ) للسيوطي (ص:269) ضبطُه بالشكل هكذا (ابن دَيْزَل) . وهو تحريف).