فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 1246

6 -إن كان صحابيًا قبل مطلقًا [1] ، وهو مذهب الفقهاء كما تجد ذلك مفصلًا في رسالة الإمام

(1) -قال أبو الحسن المصري في كتابه: (شفاء العليل) (1\ 23) في الباب الأول:"ذكر مراتب الجرح والتعديل مرتبة من أعلى مراتب التعديل إلى أردءِ مراتب التجريح":

أولا: مراتب التعديل: المرتبة الأولى:

ذكر الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في كتاب"تقريب التهذيب"أن أُولى المراتب هم الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-، وقد اعترض على ذلك العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني-رحمه الله تعالى-في كتابه:"توضيح الأفكار" (2\ 263\264) فقال:"واعلم أنه جعل الحافظ ابن حجر أُولى المراتب كونه صحابيًا ..."

وظاهر هذا أن كونه صحابيًا قد تضمن أنه ثقة حافظ، فصفة الصحبة قد تكفلت بالعدالة والضبط، وهذا لا إشكال فيه بالنظر إلى العدالة على أصل أئمة الحديث، ولكن بالنظر إلى الضبط والحفظ لا يخلو عن الإشكال، إذ الحفظ وعدمه من لوازم البشرية لا ينافي الصحبة؛ بل: لا ينافي النبوة، فقد صح عنه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنه نسي في صلاته وغيرها، فكيف يجعل كون الراوي صحابيًا أبلغ من الموصوف بأوثق الناس ونحوه، والصحبة لا تنافي النسيان وعدم الحفظ، بل: قد ثبت في"صحيح البخاري"نسيان عمر لقصة التيمم وتذكير عمار له بها ولم يذكر، بل: قد ثبت أنه قال-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"رحم الله فلانًا لقد ذكرني البارحة آية كنت أُنسيتها ...".

قلت: كذا قال العلامة الصنعاني وتبعه على ذلك كثير من طلبة العلم وعندي أن ما صنعه الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى-يمكن أن يكون له وجه وإن لم أتبعه في صنيعه-والدفاع عما صنعه الحافظ ابن حجر-رحمه الله-يكون من وجوه:

الأول: قول الصنعاني-رحمه الله-: بأن الصحبة بل: والنبوة لا تنافي النسيان، صحيح ولكن يمكن أن يقال: والنسيان أيضًا لا ينافي الضبط، فقد ذكر العلامة النقادة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى االمعلمي اليماني-رحمه الله تعالى-في كتابه: (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) أن النسيان لا يلزم منه الضبط، قال:"فإن الناسي إن نسي الحديث أصلًا لم يحدث به البتة، وكيف يحدث به وهو ناس له؟ قال: وإن عرض له تردد في قصة أو: في بعضها فإنه إذا كان ضابطًا لم يحدث بها أو: يحدث بها ويبين التردد والشك، فالضابط هو الذي لا يحدث إلا بما يتقنه فما لم يتقنه لم يحدث به أو: يبين شكه ...".

وقال في موضع آخر من"التنكيل" (ص:60\ 61\740) :"النسيان لا يلزم منه خلل الضبط، لأن غايته أنه كان أولًا يحفظ أحاديث فحدث بها ثم نسيها فلم يحدث بها، وأما الوهم فإن كان يسيرًا يقع مثله لمالك، وشعبة، وكبار الثقات فلا يستحق أن يسمى خللًا في الضبط ...".

الوجه الثاني: أن السخاوي-رحمه الله تعالى-ذكر أن الخلاف في مسألة قبول زيادة الثقة وردها فيمن دون الصحابي بالاتفاق، فقد قال السخاوي-رحمه الله-في"فتح المغيث" (1\ 218) :"إذا صح السند إلى الصحابي فهي مقبولة بالاتفاق".

ومعلوم أنهم يردون زيادة الثقة إذا كانت مخالفة لرواية من هو أرجح منه على تفاصيل-مذكورة في محلها-أما الصحابي إذا تفرد بزيادة لم يروها غيره من الصحابة سواء كان عددهم أكثر، أو: كانوا أحفظ منه فلا تُرد، يوضح ذلك:

الوجه الثالث: أن الذي ينظر في كتب العلل والكتب التي فيها تخريج الأحاديث يجد أن صنيع الحافظ أو: الحفاظ في حكمهم على لفظة ما أو: جملة أو: حديث كامل بالشذوذ أو: النكارة كل ذلك راجع إلى من هو دون الصحابي، ولم أقف على حديث يخطؤون فيه الصحابي بحجة أن من بعده من حفاظ التابعين اختلفوا عليه فيه وإن وُجد ذلك فهو نادر جدًا بالنسبة لغيره، واختلاف الحفاظ على راوٍ يدل على أن الوهم منه لا منهم، نعم قد يوهمون الصحابي إذا خالف من هو أرجح منه، كأن يقدموا رواية نساء النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في صفة الاغتسال وما كان يفعله في البيت-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-على قول غيرهن من الصحابة لأنهن رضي الله عنهن أعلم بذلك من غيرهن وهكذا، هذا مع أن من وصف ممن دون الصحابة بأنه من أوثق الناس لم يسلم مع ذلك من اعترض على بعض رواياته إما في المتن وإما في الإسناد أو: فيهما، فما سلم من ذلك مالك، وهو النجم إذا ذكر الأثر، وما سلم من ذلك شعبة وهو شعبة، وغيرهما.

الوجه الرابع: أن الحافظ ذكر الصحابة لشرفهم كما صرح بذلك في"تقريبه"وربما أنه لم يقصد بذلك التعديل المتعارف عليه من الأئمة.

وقد حررت هذا الجواب دفاعًا عن الحافظ أحمد بن علي بن حجر-رحمه الله تعالى-، فمثله يُلتمس لقوله المخارج قبل الحكم بتخطئته، وإن كنت أرى أن أبدأ ألفاظ هذه المرتبة بما ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية تبعًا لما عليه الأكثر والله المستعان).

وقد أشرت إلى هذا بقولي:

واعلم بأنَّ رواتنا بابن حَجَرْ * حُصِرُوا لديه جميعهم في اثني عَشَرْ

وكذلكم طبقاتهم يا صاحبي * فزن الأمور بدقَّةٍ وتناسُبِ

أمّا المراتبُ فالصحابة أوَّلُ * يعلو بهم شرفٌ، مقَامٌ أمْثَلُ

انظر: (تحرير التقريب) (1\ 52) ، وكتابي: (إتحاف الطالب ... ) (ص:1427) ، أما شيخنا ابن باز فلم يقل شيئًا في (نكته على تقريب التهذيب) على هذه المرتبة، بل: بدأ-رحمه الله-تنكيته من المرتبة السادسة من مراتب الرواة كما في (ص:35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت