وقد يكون حسنًا، كقوله في الزكاة: وقال طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب ... الحديث. فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوسًا لم يسمع من معاذ.
ثم إن ما تقدم ظاهر: فيمن لم يدركهم البخاري ولا أخذ عنهم، ولكنه أحيانًا يأتي بهذه الصيغة عن شيوخه أيضًا فيقول: قال القعنبي-مثلًا-، قال عفان وهكذا، وقد اعتبر العلماء ذاك متصلًا مثل المعنعن، وذلك حيث لم يصرح بالتحديث أو: الإخبار أو: غيرهما من الصيغ التي تفيد السماع والاتصال.
وقال ابن حزم:"إن ذلك منقطع"وهكذا حكم على حديث في البخاري بأنه موضوع، حيث قال البخاري: قال هشام بن عمار-وهو من شيوخه-: قال: حدثنا صدقة بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثنا عطية بن قيس، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثني أبو عامر أو: أبو مالك الأشعري: أنه سمع رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يقول:"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرَّ والحرير والمعازف ... -الحديث".
قال العلماء هذا الحديث حكمه الاتصال، لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري حدث عنه بأحاديث، وقال ابن حزم [1] في"المحلى": (هذا حديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ولا يصح في هذا الباب شيء أبدًا، وكل ما فيه فموضوع) .
(1) -قال المحدث الألباني-رحمه الله تعالى-في: (السلسلة الصحيحة) (1/ 187) : (وابن حزم-رحمه الله-مع علمه وفضله وعقله، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع على الأحاديث وطرقها ورواتها، ومن الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث، وقوله في الإمام الترمذي صاحب"السنن"-قاله في"كتاب الفرائض"، كما في:"تهذيب التهذيب":"مجهول"، وذلك مما حمل العلامة محمد بن عبد الهادي-تلميذ ابن تيمية-على أن يقول في ترجمته في:"مختصر طبقات علماء الحديث"(401) :"وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه، وعلى أحوال الرواة".
قلت: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبت من صحته وعدم شذوذه، شأنه في ذلك شأنه في الفقه الذي يتفرد به، وعلم الكلام الذي يخالف السلف فيه، فقد قال ابن عبد الهادي بعد أن وصفه بقوة الذكاء وكثرة الاطلاع:"ولكن تبين لي منه أنه جهمي جلد، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده هو القدرة، والقدرة هي العلم، وهما عين الذات، ولا يدل العلم على شيء زائد على الذات المجردة أصلا، وهذا عين السفسطة والمكابرة، وقد كان ابن حزم قد اشتغل في المنطق والفلسفة، وأمعن في ذلك، فتقرر في ذهنه لهذا السبب معاني باطلة").