وذكر بعد ذلك كلامًا ليعقوب بن شيبة وفيه: (وقال علي بن المديني: وعمرو بن شعيب عندنا ثقة وكتابه صحيح) .
وهذا يؤيد-تمامًا-ما قرره المحدث الألباني في (السلسلة الصحيحة) . وهو تقرير من متمكنين في هذا الفن لكن العلامة المحدث المعلمي أوَّل ذلك وحمله محملًا آخر حيث قال: (قلت: الساجي لم يدرك ابن معين، وقول ابن المديني:(كتابه صحيح) : لعله أراد كتابه الخاص الذي قيد فيه سماعاته، لا تلك الصحيفة).
وهذا الاحتمال مردود لأنه ناشئ عن مجرد تخمين. وما احتمل واحتمل سقط به الاستدلال إلا إذا كان الاحتمال ناشئًا عن الدليل. وهنا لا دليل! والجرح الذي لم يفسر حريٌّ بأن لا يقبل [1] ، كما هنا ولو كان من إمام كبير [2] .
ثم قال: (وقد قال الإمام أحمد: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه [3] يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا) .
(1) -فائدة في بيان قاعدة مهمة في الرواة: قال المحدث الألباني-رحمه الله تعالى-في: (الصحيحة) (6/ 1274) : (هب أن جرح من جرحه مقدم على توثيق من وثقه، فلا يلزم أن يكون مجروحًا في كل من روى عنهم، كما أن العكس غير لازم أيضًا، أي: لا يلزم من كون الراوي ثقة أن يكون ثقة في كل من روى عنهم، كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم، فقد يكون المجروح له نوع اختصاص ببعض الرواة والحفظ لحديثهم فيكون ثقة في مثلهم) .
(2) -انظر: (الإرواء) (3/ 201) .
(3) -قال الحافظ الذهبي في (الميزان) (1\ 38\70) ، و (كتاب السلسبيل في شرح ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل) (ص:64\ 65) الفصل الثاني: ألفاظ وعبارات الجرح: (السادس عشر: مدلول قول ابن معين في الراوي:"يكتب حديثه") : (إبراهيم بن هارون الصنعاني، قال ابن معين:"يكتب حديثه".
-كذا أورد الإمام الذهبي هذا القول من"كامل"ابن عدي عن ابن معين، وهو لم ينقل كلامه بتمامه، فقد جاء عنه أنه قال:"ليس به بأس، يكتب حديثه"هكذا جاء عند ابن عدي في"كامله" (1\ 243) ، وقول:"ليس به بأس"صيغة توثيق عند ابن معين-ذكره ابن عدي-في"الكامل" (1\ 243) -، قال:"معنى قول ابن معين: يكتب حديثه أنه في جملة الضعفاء".
قال الشيخ خليل بن محمد العربي: هذا التفسير من ابن عدي لكلام ابن معين اجتهاد محض منه، ولعله سار على ما هو شائع بين الأئمة في أن قولهم:"يكتب حديثه"تطلق على مَن كان ضعيف الحديث، إلا أني وجدت ابن معين-فيما وقفت عليه من أمثلة-يستعمل هذا التعبير فيمن كان ثقة عنده، ووجدت كذلك هذا التعبير يأتي عنده على وجهين:
الأول: مقترنًا بغيره بصيغة من صيغ التوثيق، وذلك مثل قوله في:
أ-الجراح بن مليح بن عدي الرواسي، قال-رواية ابن أبي مريم-:"ليس به بأس، يكتب حديثه".-"الكامل"لابن عدي"2\ 162"-.
ب-يعلى بن عبد الرحمن الطائفي، قال-رواية ابن أبي مريم-:"ليس به بأس يكتب حديثه".-"الكامل"لابن عدي (7\ 288) -.
ج-عبد الله بن عمر العمري، قال ابن معين-رواية ابن أبي مريم-:"ليس به بأس، يكتب حديثه".-"تهذيب الكمال" (15\ 330) -.
د-أبو جعفر الرازي، مولى بني تميم، قال-رواية ابن أبي مريم-:"يكتب حديثه، ولكنه يخطئ". -"تهذيب الكمال" (33\ 194) -.
هـ-إبراهيم بن طهمان، قال ابن معين-رواية ابن أبي مريم-:"ليس به بأس، يكتب حديثه"-.
وروى الدوري، عن ابن معين:"ثقة". -كما في"ميزان الاعتدال" (1\ 38) -.
الثاني: أن يأتي مفردًا، غير مقترن بغيره، إلا أن من قيل فيه هكذا يوثقه بلفظ صريح في رواية أخرى، وذلك مثل قوله في:
أ-عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، قال-رواية الغلابي-:"يكتب حديثه".-وفي رواية عباس الدوري، وابن أبي خيثمة-قال:"ليس به بأس".
هذا ما ترجح لي من استعمال ابن معين لعبارة:"يكتب حديثه"من أنه يريد بذلك التوثيق في حق من أطلقها عليه من رواة الحديث. فمن بدا له-من إخواني الباحثين-خلاف ما ذكرته، مستدلاًّ بالدلائل العلمية والعملية، فليبينه لنا مشكورًا).
قال المحبوس عمر الحدوشي: وقد سبق أن بينت في أول هذا الجزء (ص:132\ 133) : أن الحافظ الذهبي ذكر في (ميزانه) (4\ 345) في ترجمة: (الوليد بن كثير المزني) : (روى له النسائي، وُثِّق، وقال أبو حاتم:(يكتب حديثه) . مع أن قول أبي حاتم هذا، ليس بصيغة توثيق ولا هو بصيغة إهدار).
قال شيخنا أبو غدة في حاشية (الرفع والتكميل) (ص:164) : (قلت: ليس بصيغة توثيق) ، لأن من قيل فيه ذلك ضعيفٌ نازل عن رتبة الاحتجاج بحديثه، وقال: (لا هو بصيغة إهدار) . لأنه ليس ضعيفًا جدًا، بحيث لا يصلح حديثه للمتابعات والشواهد، بل: يكتب حديثه لصلاحيته لذلك، فهو بمثابة قولهم في هذه المرتبة: (يعتبرُ به) .
ويقابله قولهم-المسئول عنه أيضًا: (لا يكتب حديثه) . الآتي في المرتبة الرابعة من مراتب الجرح). ومثله قولهم: (لا يشتغل به) . وذلك يعني: أنه ضعيف جدًا نازل عن مرتبة صلاحية حديثه للمتابعة والشواهد، وإذا كان كذلك فلا فائدة من كتابة حديثه لهذه الغاية، فلذا لا يكتب حديثه.
جاء في (الجرح والتعديل) . وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة: (إبراهيم بن مهاجر البجَلي) : (قال أبو حاتم:(ليس بالقوي) ، هو وحصَيْن بن عبد الرحمن وعطاءُ بن السائب قريب بعضهم من بعض، ومحلُّهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم، ولا يحتَجُّ به. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى (لا يحتج بحديثهم) ؟ قال: كانوا قومًا لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئت). انتهى.
وقد انتقد الحافظ-شيخ الإسلام-ابن تيمية قولةَ أبي حاتم في بعض الرواة: (يكتب حديثه ولا يحتج به) ، وجعلها من تشدده وتعنته في التعديل، جاء في (مجموع الفتوى) له قوله: (قول أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
أبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال (الصحيحين) ، وذلك أن شرطه في التعديل صعب.
و (الحجةَ) في اصطلاحه، ليس هو (الحجة) في اصطلاح جمهور أهل العلم. وأبو حاتم من أصعب الناس تزكيةً). وقال أيضًا في (إقامة الدليل) : (وأبو حاتم من أشد المزكين شرطًا في التعديل) .اهـ. (ص:378 - 380\رقم:64) .
ثم قال: (وقد قال الإمام أحمد: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا) . (ص:387\رقم:65) . وانظر عبارة (لا يكتب حديثه) في: (قناص الشوارد الغالية ... ) : (ص:440/ 455/458/رقم:70\ 489/ 484/504/ 505/568/ 516/519/ 544/545/ 546/566/ 585/586/ 593/598/ 609/622/ 625/631/ 633/654/ 664/680/ 690/707/ 708/720\ 793\رقم:71 - و 861\رقم:72 - و 986\رقم:95 - و 1025\رقم:104 - و 1375 رقم:162) .
و (يكتب حديثه) في (ص:387/ 407/441/ 450/457/رقم:70 - و 489/ 474/476/ 494/512/ 515/532/ 545/557/ 559/560/ 578/586/ 587/595/ 597/628/ 653/656/ 600/660/ 666 /676/ 677/696/ 702 /725/ 816\رقم:71 - و 887/رقم:75 - و 900\رقم:76 - و 1025\رقم:104 - 1106\رقم:122 - و 1258\رقم:139 - و 1378\رقم:162 - و 1385\رقم:167 - و 1394\رقم:175) .
وقال للكنوي في (الرفع والتكميل) (ص:225) في (إيقاظ الحادي عشر-: في بيان مراد ابن معين من قوله في الراوي: يكتب حديثه) : (معنى قول ابن معين في حق الرواة:"يكتب حديثه"، أنه من الضعفاء. كذا ذكره الذهبي-في"الميزان"(1\ 33) -نقلًا عن ابن عدي، ترجمة:"إبراهيم ابن هارون الصنعاني").
قال المحبوس: سبق أن قلت في هذا السفر (ص:248\ 250) : (إذا قال أبو حاتم: هذه العبارة:(يكتب حديثه) فهو في عداد من يكتب حديثه للاعتبار والشواهد، وفي الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، ولا يحتج به في الحلال والحرام، وهذا نص ابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل) (1/ 10) حيث قال-في صدد ذكره مراتب الرواة-:
(ومنهم صدوق الورع المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ، والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام) .
وبيان قوله: (يكتب من حديثه ... ) ، أن من أهل الحديث من لا يكتب من الأحاديث إلا الصحيح الثابت، سواء في مسائل الحلال، أو: في الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، وما ذلك سبيله.
ومنه من يكتب كل شيء، ولا ينتقي فيما يكتب سواء ذلك في مسائل الحلال والحرام، أو: في الفضائل والرقائق، لكن ينتقي عند الآداب على منهج-ابن معين- إذا جمعت فقمش وإذا حدثت ففتش-كما في (الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع) (2/ 220) -.
ومنهم من يتوسط فيكتب ما صح وثبت عنده، ويكتب ما خف ضعفه إما يدخل في حيز الاعتبار في المتابعات والشواهد رجاء أن يجد ما يقويه، فيرفعه به إلى حيز الحسن لغيره على أقل الأحوال وفي هذا الضرب من يقتصر في كتابة ما يصلح في الاعتبار في المتابعات والشواهد على ما كان يتعلق بالفضائل والرقائق، لا في الحلال والحرام، وإلى هذا يشير قول ابن أبي حاتم. فمعناه أنه ليس بحجة فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب.
قال المعلمي في (الأنوار الكاشفة) (ص 87/ 88) ،كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح، أو: قريب من الصحيح أو: يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة.
ومنهم من إذا وجد الحديث غير الشديد الضعف، وليس فيه حكم ولا سنة، إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك لم يمتنع من روايته).
قال الحافظ الذهبي في (السير) (6/ 68) ترجمة هشام بن حسان الأزدي: قد علمت بالإستقراء التام، أن أبا حاتم الرازي إذا قال في رجل: (يكتب حديثه) . معناه عنده أنه ليس بحجة) وقال في (تاريخ الإسلام) (حوادث ووفيات سنة 141 - 160 هـ:304) هذا القول من أبي حاتم دال على أنه ليس بحجة).
وقال في (الميزان) (4/ 345) قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق ولا هو بصيغة إصدار). وقال أيضًا في (2/ 385) يكتب حديثه، أي: ليس هو بحجة).
قال مصطفي بن إسماعيل في (شفاء العليل) (1/ 147/148/ 149) : (وقد عد البعض هذا اللفظ في عبارات التجريح، والذي يظهر لي أنه من عبارات التعديل التي يستشهد بأهلها فقد ذكر الذهبي في مقدمة(المغني في الضعفاء) وبيّن من احتوى كتابه عليهم فقال: (وكذا لم أذكر فيه من قيل فيه:"محله الصدق"ولا من قيل فيه:"يكتب حديثه"ولا من قيل فيه"لا بأس به"ولا من قيل فيه"هو شيخ"أو"صالح الحديث"فإن هذا باب تعديل ... ) .
وعبارته في ديباجة (الميزان) (1/ 4) بعد أن ذكر أكثر هذه العبارة: ( ... إن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق، ومعلوم أن مراتب التعديل التي لا يحتج بأهلها لا يطلق عليها الضعف المطلق ومع ذلك فالظاهر لي أن قولهم في الراوي:(يروى عنه أو: يروى حديثه) ، أرفع في المعنى من قولهم: (يكتب عنه) أو: (يكتب حديثه) ...
وأما قول ابن عدي في (الكامل) (1/ 243) كما في (الميزان) (1/ 70) : معنى قول ابن معين (يكتب حديثه) أنه في جملة الضعفاء) فيحمل على التسامح في العبارات فلا شك أن حديث أهل هذه المرتبة لا يحتج به وهذا لضعف فيهم إن كان لا يطلق عليهم الضعف المطلق وهل قولهم: (يكتب حديثه) معنى قولهم (كتبنا عنه) ؟
جاء في الرسالة الفذة (رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل) (ص:42) لعداب الحمش ..: فرق بين الكتابة عن الراوي وسكوت عنه في الكتابة أقل درجاتها أن الكاتب يعرف عين المكتوب عنه ... ثم قال: (وكلمة كتبنا عنه) : تعني: (يكتب حديثه) وكذا كلمة (شيخ) انتهى.
واستدل بقول أبي زرعة لما سئل عن الحسن بن مدرك السدوسي: (كتبنا عنه) ، ولما سئل عنه أبو حاتم قال: (شيخ ... ) .
قلت: كذا قال وفيه تأمل لأن من عادة الأئمة المجتهدين في هذا الفن أنهم في بداية طلبهم يكتبون عن كل أحد كما سبق. ومعلوم أن الحديث يكتب على ثلاثة أوجه:
1 -إما للعمل به،
2 -وإما للنظر فيه، هل له ما يقويه أم لا؟
3 -وإما للمعرفة والبيان،
بل: قد يحصل بعضهم النسخ المنكرة أو: الباطلة كي لا يقلب الكذابون إسنادها بالثقات كما فعل ابن معين، وقد نص أبو زرعة، وأبو حاتم في تراجم كثيرة كما في كتاب (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم على ضعف رواةٍ ضعفًا شديدًا مع ذكر أنهما أو: أحدهما قد كتب عنه، ولست في حاجة إلى جمع عدة تراجم تشهد لما قلته بل: أذكر ما ذكره الأخ عداب في رسالته (ص: 39/ 40) فقال:
(حتى لا يغتر لقول التهانوي بأن كل من كتب عنه أبو حاتم وأبو زرعة ثقة، فقد وقفت على تراجم كثيرة فيها التصريح بالكتابة عنه ومع ذلك فقد صرحا أيضًا بأنهم غير ثقات أو: أشارا إلى عدم معرفتهما بهم أو: سكتا عنهم وجرحهم غيرهما كما أنهما أدركا أناسًا ثقات ولم يكتبا عنهم كما لم يكتبا عن كثير ممن أدركاه من الضعفاء) .
وذكر أمثلةً منها: (ما جاء في ترجمة أحمد بن عمران الأخنس كتب عنه أبو زرعة فقال: كتبت عنه ببغداد وكان كوفيًا وتركوه) .
قال عداب: فهذا أبو زرعة قد كتب عنه مع أنه متروك الرواية فالكتابة شيء والتحديث والرواية شيء آخر). ولولا وضوح هذا لذكرت عدة تراجم تشهد بهذا بأن قولهم (يكتب حديثه) إخبار بمعنى أنه لا يترك حديثه وليس ممن يرد حديثه بخلاف قولهم: (كتبنا عنه) فلا ندري على أي الوجوه كتبوا عنه، نعم إلا إنه لم يثبت فيه جرح أو: توثيق فهو رافع لجهالة العين-على تفاصيل في ذلك-ويكون مع هذا أقل من قولهم: (يروى عنه ويكتب حديثه والعلم عند الله تعالى) . انتهى من (القول الحصيف ... ) (ص:79\ 80) .