ولي في طلاب العلم والفضل والتقى * غنى عن غناء الغانيات وعرفها
ويقول ابن الجوزي:(من أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذة البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر:
أهتز عند تمني وصلها طربًا * ورب أمنية أحلى من الظفر
ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يُقَوَّمُ، فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك؟! فقلت له أيها الجاهل: تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدت إلى صديق.
جزى الله المسير إليه خيرًا * وإن ترك المطايا كالمزاد) [1] .
أما شبابنا في هذا العصر عصر النيت والفتن والمصائب والعري والظلم! والحرية والتقدم! فكما قال أبو عبد الله المراغي الفقيه الشافعي:
إذا رأيت شباب الحي قد نشئوا * لا ينقلون قلال الحبر والورقا
ولا تراهم لدى الأشياخ في حلق * يعون من صالح الأخبار ما اتسقا
فذرهم عنك واعلم أنهم همج [2] * قد بدلوا بعلو الهمة الحمقا [3]
(1) -انظر: (صيد الخاطر) (ص:329) ، و (صور من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:307) لصلاح الدين محمود السعيد. والمطايا: المراد هنا النوق التي أضناهن السير، حتى تركها جلدًا على عظم، والمزاد جمع مزادة، وهي القربة من جلد إذا كانت خالية من الماء، فإنها تكون لا قوة فيها.
(2) -رواه الدارمي في (سننه) (323) عن خالد بن معدان. ومثله عن علي بن أبي طالب- (-انظر تخريجه بتوسع في(جامع بيان العلم وفضله) (1/ 145/146/رقم:149) ، و (1/ 247/رقم:284) . قال أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى: (ليس الأدب إلا في صنفين من الناس:
1 -رجل تأدب بالسلطان،
2 -ورجل تأدب بالفقه،
3 -و (سائر الناس همج) . (إسناده حسن، بالنظر إلى طرقه) . (الجامع) (1/ 145/رقم:148) . انتهى من هامش: (إتحاف الطالب ... ) (ص:705)
(3) -انظر: (الأنساب) (8\ 97) للسمعاني، و (صور من صبر العلماء ... ) (ص:308) .