فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 1246

لي، وأن الجراح والآلام أصبحت آمالًا وضَّاءةً [1] ، ولا أشعر بالحبس الانفرادي، ولا الحراسة المستمرة والدائمة المضروبة عليَّ، ولا ترغيب وترهيب الجلادين الظالمين، من المخابرات وغيرهم من أجهزة القمع، ليل نهار على زنزانتي الانفرادية بحي (باء رقم:2) [2] ، وصدق من قال:

(1) -قالت أم الفضل حرم وتلميذة المؤلف: وبهذه المناسبة أذكر شيخنا الفاضل أبا الفضل بمرقوم كتبه إليه شيخنا الفاضل أبو أويس بتاريخ: 12 ذي القعدة 1428 هـ قائلًا-بعد البسملة، والحمدلة، والصلاة على رسول الله وآله وصحبه وسلم، والسوؤال على الحال-:

(جناب الأخ المكرم العلامة الواعية الشيخ أبا الفضل المحترم .... وهذا مؤذن-إن شاء الله-بقرب الفرج عجل الله به قريبًا آمين، وعسى أن يكون في تغيير الوجوه، والوعد بإعادة النظر فيما مضى، خير وبركة لإنهاء هذه الأزمة التي طالت واستطالت، ولكم في شيخ الإسلام، وشامة الليالي والأيام ابن تيمية قدس الله روحه أسوة حسنة في كلمته النيرة:"أنا جنتي معي قتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة ...".

وقد كتب طيب الله ثراه في الاعتقال ما يعتبر نورًا في بصَر الزمان، ورافدًا من أقوى روافد الإيمان، وكذا تلميذه الأثير، الناطق باسمه، ومقتفي أثره ورسمه شمس الدين ابن القيم-رحمه الله، ورضي عنه-الذي لم يكتحل جَفن الزمن بمثل آثاره، ولا ازدانت الأيام بمثل مُجلى أسفاره).

بل أذكر شيخنا الفاضل وزوجنا الجليل بما جاء في كتابكم: (نشر العبير في منظومة قواعد التفسير) (ص:89/ 90) -دار الكتب العلمية-: (ولست أبكي على حبسي وتعذيبي جسديًا ونفسيًا، وإنما أبكي على مكتبتي العامرة. أما السجن فهو المكان الطبيعي للرجل الحر في الأمة المستعبدة، والأمر عندي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال: ما يصنع أعدائي بي؟. أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) .

وكان في حبسه يقول-كما في"العقود الدرية" (ص:11/ 12) : (لو بذلت مثل هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة) ، أو قال: (ما جازيتهم على ما ساقوا إلي من الخير) . والمحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه).

انظر (الذيل على طبقات الحنابلة) (2/ 405) لتعلم كم بقي الشيخ-رحمه الله-في سجن القلعة وانظر ما هَذَى به ابن بطوطة في حق شيخ الإسلام في (رحلته) (ص:112/ 113) مع الجواب عن تلك الفرية من كلام شيخ الإسلام نفسه-في:"مجموع الفتاوى" (5/ 265) -وكلام أهل العلم-كما في"قصص لا تثبت" (1/ 65/إلى:69) -وكم كذبوا على الشيخ، وبهتوه وَقَوّلُوهُ أشياء هو بريء منها، والأمر كما قال تلميذه ابن القيم-كما في:"شرح النونية" (2/ 182) لابن عيسى-:

فالبُهْتُ عندكم رخيصٌ سِعْرُهْ ... حَثُّوا بلا كيل ولا ميزان

وبهتوا وكذبوا على تلميذه ابن القيم فسجن مع شيخه، ومرة وحده. قال ابن رجب في (الذيل على طبقات الحنابلة) (2/ 448) : (وكان ابن القيم في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتح عليه من ذلك خيرٌ كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك) .

وهو القائل في (فوائده) (ص:449) : (يا مخنث العزم أين أنت؟، والطريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إِسماعيلُ، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكرياء، وذبح السيد الحصورُ يحيي، وقاسى الضُّرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داودَ، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمد - صلى الله عليه وسلم - تُزهى أنت باللهو واللعب؟) .

ثم ذكر فيه أيضًا قوله: (سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله؛ أيما أفضل للرجل أن يمكن أو: يبتلى؟. فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا فلما صبروا مكنهم) . وإلى الله المشتكى.

وصدق من قال:

ربما تجزع النفوس من الأمر ... # له فرجة كحل العقال)

(2) -قال أبو سعيد الحرمي الحافظ: (لا يصبر على الخل إلا دوده) قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (4/ 1229) : (يعني: لا يصبر على الحديث إلا أهله) . انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (8/ 97/رقم:181) للذهبي، و (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) (1/ 6) للشيخ مصطفى بن إسماعيل، و (إتحاف الطالب ... ) (ص:692) . أما الموظفون هنا-حاليًا-في السجن المحلي بتطون فما رأينا منهم إلا خيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت