فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 1246

فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ولكنه يأتي إلى مَن يبغضه فينقل جميعَ ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما يراه من ممادحه، ويعكس الحالَ فيمن يحبه، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب، فإنه لا يجب عليه تطويل ترجمة أحد، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه.

ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة لله ولرسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حقه من حمد وذم.

قلت: وهذا كمن يسمع الحكمة وغيرها فلا يحدث إلا بشر ما سمع ...

ثم قال التاج:"إن من يرتكب ما تقدم كمن يذكر بين يديه شخص، فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه، فيظن أنه لم يغتبه بشيء من ذلك، مع أنه من أقبح الغيبة".

قال:"وكذلك ما أحسنَ قولَه:"وأن لا يغلبه الهوى"، فإن الهوى غلاب، إلا من عصم الله. ولكن قد لا يتجرد عن الهوى، بأنه لا يظنه هوى، بل: يظنه لجهله أو: بدعته حقًا، فلا يتطلب حينئذ ما يقهر به هواه، لأن المستقر في ذهنه أنه محق."

وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين في العقائد بعضُهم في بعض، فلا ينبغي أن يقبل قول مخالف في العقيدة على الإطلاق إلا أن يكون ثقة.

وقد روى شيئًا مضبوطًا عاينه أو: حققه، فقولنا:"مضبوطًا"، احترزنا به عن رواية ما يضبط من التُّرَّهات التي لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شيء.

وقولنا:"عاينه أو: حققه"ليخرج ما يرويه عمن غلا أو: رخص ترويجًا لعقيدته. وما أحسن اشتراطه العلم ومعرفة مدلولات الألفاظ.

فلقد وقع كثيرون فيما لا يقتضي جرحًا لجهلهم، بل: في كتب المتقدمين: الجرح، لأحمد بن صالح المصري [1] ،

(1) -قال شيخنا أبو الفضل عمر الحدوشي في كتابه: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 109) : (قال شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة في حاشية كتابه:(أربع رسائل في علوم الحديث) (ص:34/ 35) : قال الحافظ الذهبي في كتابه: (تذكرة الحفاظ) (2/ 495) ، في ترجمة: (أحمد بن صالح) : وهو الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري ثم المصري، ولد بمصر سنة (170) ، وسمع:

1 -سفيان بن عيينة،

2 -وعبد الله بن وهب،

3 -وابن أبي فديك،

4 -وعبد الرزاق وطبقتَهم.

حدث عنه:

1 -البخاري،

2 -وأبو داود،

3 -وصالح جزرة،

4 -وأبو إسماعيل الترمذي،

5 -وأبو بكر بن أبي داود وخلق.

قال صالح جزرة: لم يكن بمصر من يُحسن الحديث غيرُه، وكان جامعًا يَعرف الفقه والحديث والنحو، ويتكلم في حديث:

1 -الثوري،

2 -وشعبة،

3 -والزهري، يَدري ذلك.

ثم ذكر من وثقه فقال:

1 -وقال ابن نُمير: إذا جاوزتَ الفرات، فليس أحد مثل أحمد بن صالح.

2 -وقال أبو حاتم: (ثقة) .

3 -وقال يعقوب الفسوي:(كتبت عن ألف شيخ وكسر، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان:

1 -أحمد بن صالح،

2 -وأحمد بن حنبل) .

4 -قلت-القائل الذهبي-:"الرجل حجة ثبت، لا عبرة بقول من نال منه، ولكنه كما قال الخطيب: كان فيه الكبر وشراسة الخلق، نال النسائيَّ منه جفاءٌ في مجلسه، فذلك الذي أفسد بينهما. مات في سنة: 248".

5 -قال الحافظ ابن حجر في"هدي الساري" (2/ 112) -والنسخة التي عندي داخل زنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان دار الفكر: (ص:546/ 547) -في ترجمة:

(أحمد بن صالح) -بعد أن ذكر من وثقه من الأئمة وفيهم يحيى بن معين، وعلي بن المديني-:"وأما النسائي فكان سيء الرأي فيه، ذكره مرة فقال: ليس بثقة ولا مأمون، أخبرني معاوية بن صالح، قال: سألت يحيى بن معين عن أحمد بن صالح؟"

فقال: كذاب يتفلسف، رأيته يَخْطُرُ في الجامع بمصر، انتهى.

فاستند النسائي في تضعيفه إلى ما حكاه عن يحيى بن معين، وهو وهَمٌ منه حمله على اعتقاده سوء رأيه في أحمد بن صالح، فنذكر أولًا السبب الحامل له على سوء رأيه فيه، ثم نذكر وجه وَهَمِه في نقله ذلك عن يحيى بن معين.

قال أبو جعفر العقيلي: كان أحمد بن صالح لا يُحدِّثُ أحدًا حتى يسأل عنه، فلما أن قدم النسائي مصر، جاء إليه وقد صحب قومًا من أهل الحديث لا يرضاهم أحمد، فأبى أن يحدثه، فذهب النسائي فجمع الأحاديث التي وهِمَ فيها أحمد، وشرع يُشَنِّع عليه، وما ضرَّه ذلك شيئًا، وأحمد بن صالح إمام ثقة"..."

وقال ابن حبان: ما رواه النسائي عن يحيى بن معين هو رجل آخر غير ابن الطبري، وكان يقال له: الأُشْمُومِي، وكان مشهورًا بوضع الحديث. أما ابن الطبري فكان يقارب ابن معين في الضبط والإتقان، انتهى. وهو في غاية التحرير"."

وانظر:"قواعد في علوم الحديث"للعلامة ظفر أحمد التهانوي-رحمه الله تعالى- وما علقه عليه شيخنا أبو غدة: (ص:189/ 383/394/ 395) ... ).

وقال شيخنا أبو غد ة أيضًا في تعليقه على (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:413) : (وانظر لإتمام الكلام في الدفاع عن هذا الإمام:"قواعد في علوم الحديث"لشيخنا التهانوي وما علقته عليه(ص:189/و 383/و 394/ 396) ، وما علقته على"قاعدة الجرح والتعديل"للتاج السبكي"ص:28/ 29"من الطبعة الثانية، أو: من الطبعة الثالثة ... ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت