فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 1246

وأبي حاتم الرازي [1] وغيرهما بالفلسفة، لظنهم أن علمَ الكلام فلسفة، بحيث رد على المجرحين بعدم معرفتهما.

وقريب منه قول الذهبي في المزي:"إنه يعرف مضايقَ المعقول"مع كون كل منهما لا يدري شيئًا من العقليات. ثم قال:"إنه لا يجوز الاعتماد على شيخه الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي".

بل: لما حكى عن العلائي كونَه بعد وصفه له بأنه:"لا يشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله في الناس"، قال:"إنه غلب عليه مذهبُ الإثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافًا شديدًا عن أهل التنزيه، وميلًا قويًا إلى أهل الإثبات."

فإذا ترجم واحدًا منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأول له ما أمكن.

وإذا ذكر أحدًا من الطرف الآخر، كإمام الحرمين والغزالي [2] ونحوهما [3] ، لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول من طعن فيه، ويعيد ذكره ويبديه ويعتقده دينًا، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقلد على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته والله يعلم. ونحو ذلك مما سببه المخالفة في العقائد [4] .

(1) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 821/رقم:1540) ، و (الإعلان) (ص:126/ 127) . أو: (ص:84/ إلى:94) تحقيق: محمد عثمان الخُشت.

(2) -انظر ما قاله شيخنا العلامة أبو أيس محمد بوخبزة في كتابه النفيس: (الجراب ... ) (8\ 5) على كتاب الإحياء.

(3) -قال فضيلة شيخنا أبي الفضل: وهذا غلو قبيح، وتحامل صريح، والواقع خلافه، فمن أراد أن يقف على الحقيقة فليقرأ ترجمة إمام الحرمين والغزالي، في (سيره) أو: (تاريخه) ، حتى يتأكد أن ما قيل في حق الذهبي مبالغ فيه مبالغة مدفوعة ومرفوضة، والرجل مُسَدَّد في كتاباته على أنها لا تخلو من بعض الأخطاء لكن لا كما يقول السبكي الأشعري وغيره من الصوفية. انظر: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 89) .

(4) -قال فضيلة شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي في (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 120/125) عند قول اللكنوي في (الرفع والتكميل) (ص:308/ 313) :(واعلم أن من النقاد من له تعنت في جرح أهل بعض البلاد، أو: بعض المذاهب، لا في جرح الكل، فحينئذ ينقح الأمر في ذلك الجرح ...:

ومن ذلك: جرح الذهبي-في"ميزانه"، و"سير النبلاء"وغيرهما من تأليفاته-في كثير من الصوفية وأولياء الأمة، فلا تعتبر به ما لم تجد غيره من متوسطي الأجلة، ومنصفي الأئمة موافقًا له، وذلك لما عُلم من عادة الذهبي-بسبب تقشفه وغاية ورعه واحتياطه، وتجرده عن أشعة أنوار التصوف والعلم الوهبي!!! -الطعن على أكابر الصوفية الصافية، وضِيق العَطَن في مدح هذه الطائفة الناجية!!، كما لا يخفى على من طالع كتبه):

(وقد طالعنا كتبه-ولله الحمد-داخل السجن-(السير) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) ، و (الميزان) ، و (الكاشف) ، فرأينا عكس ما قال الأشعري والصوفي والحنفي اللكنوي، بل: ربما بالغ قلمه فشطح شطحات تشبه شطحات الصوفية كما ترى بعض أمثلة ذلك في كتابنا هذا، أو: في: (ذاكرة سجين مكافح) .

ثم إن الحافظ الذهبي نفسه-للأسف يحكي أنه لبس خرقة الصوفية، ويصفهم بالولاية والصلاح وأهل الله!! كما في أول هذا الكتاب، وهو القائل في"ميزانه" (2/ 266) ترجمة: ابن الفارض، وهو من هو في الاتحاد والوحدة:"حسِّن الظن بالصوفية".

وانظر بعض الأمثلة من شطحات الذهبي-رحمه الله-في: (تاريخه) (7\ 785\رقم:68) ، و (9\ 400\رقم:143) ، و (11\ 171) ، و (15\ 91\رقم:112) ، و (15\ 649) وغيرها كثير.

أما في كتابه القيم: (السير) ففيه أيضًا النصيب الأوفر من الشطحات العقدية فمن ذلك في: (1\ 146\166\ 194\205\ 484) ،و (2\ 15\479) ،و (3\ 41) ،و (4\ 14\42\ 43\384\ 484) ، (8\ 35) ،و (9\ 343) ،و (11\ 205\211\ 212) ،و (12\ 132\467\ 469\500\ 603) ،و (13\ 14\213\ 331\419) ،و (15\ 128\363\ 394\410) ،و (16\ 469) ،و (17\ 77\215\ 231\428\ 487) ، و (18\ 72\619) ، و (19\ 566\618) ،و (20\ 96\217\ 385) ، وأمثلة-أخرى-كثيرة ذكرتها في كتابي: (قَنْص الفوائد النفيسة من مطالعاتي في الأيام الحبيسة) .

قال شيخنا الأشعري والصوفي عبد الفتاح أبو غدة: ومن شواهد حبه-أي: الذهبي-للصوفية الصالحين، ودلائل تعلقه بمحبة أولياء الله الصادقين، أنك تراه في كتبه ومؤلفاته تنشرح نفسه عند ذكرهم، وينبسط لسانه وقلمه بالثناء عليهم، ويطيل نَفَسَه بالمدح لهم والاسترواح بالحديث عنهم، ويطيل تراجمهم، ويتعرض لذكر كراماتهم والرُّؤّى الصالحة لهم، وكتبه المطولة طافحة بذلك جداَ.

وانظر على سبيل المثال في كتابه (الميزان) (1\ 278\282) ترجمة التابعي الجليل (أويس القَرَني) ، فقد ترجم له ترجمة طويلة في خمس صفحات، وحكى فضائله ومناقبه وما يتصل بذلك، مع أن (أويسًا) ليس من أهل الرواية، فكان يجزئه فيه سطران أو: ثلاثة أو: خمسة، ولكنَّ محبته للصالحين الصادقين تشده دائمًا إلى ذكر مناقبهم وفضائلهم وكلماتهم، والترضي عنهم، والترحم عليهم وذكر كراماتهم.

ولما ترجم في (الميزان) (2\ 146) للإمام (سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي) مفتي دمشق وأحد الأئمة، نقل توثيقه عن:

1 -النسائي،

2 -وابن معين،

3 -وأحمد بن حنبل،

واستكمل الكلام فيه تعديلًا، ثم أعقبه بقوله:"قلت: وكان أيضًا من العباد القانتين."

وقال الوليد بن مزيد: سئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفاف من الرزق، قال: جوعُ يومٍ وشبعُ يوم توفي سنة:167، وكان ممن يحيى الليل، رضي الله عنه وأرضاه"."

وهذا الكلام لا دخَل له في التوثيق والتجريح، ولكن محبة الذهبي للصالحين وتعلق نفسه بهم يجعله يستزيد من كلامهم وأخبارهم.

ولكنه مع هذا التعلق بالصالحين، والصوفية الصادقين المستقيمين، تراه كالأسد الضرغام على من يشم منه رائحة الزيغ أو: الدخَل على الشريعة المطهرة، فلله دره ما أوفاه لها وأرعاه، ونفعنا الله بدينه وعلمه وتقواه.

وبعد كتابتي ما تقدم، وقفت على كلام يؤيد ما قلته، فأحببت نقله هنا إتمامًا للمقام، قال العلامة الدكتور بشار عواد معروف، في كتابه: (الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام) (ص:463) ، وهو يتحدث عن انتقادات السبكي للذهبي بتشدده وإكثاره الوقيعة في الصوفية، ما يلي:

"أما كلام الذهبي على الصوفية فصحيح ما قاله السبكي، ولكن في النادر منه، وهذا رأي ارتآه الذهبي واعتقد فيه وآمن به، وقد ميز بين طائفتين منهم:"

أولاهما كانت متمسكة بالدين القويم، متبعة للسنة، احترمهم الذهبي الاحترام كله، بل: لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن يحيى الأنصاري السبتي، عند رحلته إلى مصر، وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد، ويُعنى بإيرادها في كتابه-"تاريخ الإسلام"-، بل: يكثر منها عادة، ويورد بعض أقوالهم"... )."

ثم ذكر أمثلة كثيرة على ذلك-سيأتي بعضها بعد قليل-انتهى بلفظه من كتاب شيخنا أبي الفضل عمر الجدوشي-فرج الله كربه-: (ذاكرة سجين مكافح) (3\ 76\89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت