ومن ذلك جرح الذهبي-في"ميزانه"، و"سير أعلام النبلاء"وغيرهما من تأليفاته-في كثير من الصوفية وأولياء الأمة، فلا تعتبر به ما لم تجد غيره من متوسطي الأجلة، ومنصفي الأئمة موافقًا له، وذلك لما عُلم من عادة الذهبي-
بسبب تقشفه وغاية ورعه واحتياطه، وتجرده عن أشعة أنوار التصوف والعلم الوهبي [1] -الطعن على أكابر الصوفية الصافية. وضِيق العطن في هذه الطائفة الناجية [2] ، وقد صرح بهذا المؤرخ عبدُ الله بن أسعد اليافعي اليمني، في
"مرآة الجَنان"في كثير من مواضعه [3] ، كما بسطته مع ذكر عباراته في:"السعي المشكور في رد المذهب المأثور" [4] ، وفي"تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد".
(1) -وقد سأل شيخنا أبو الفضل شيخنا أبا أويس قائلًا: ( ... شيخنا كثيرًا ما أقرأ في كتاب:"تاريخ الإسلام للذهبي"أنه يقول:(وهذا من العلم الوهبي) فما معنى هذا؟.
فأجاب-حفظه الله-قائلًا-بعد الحمدلة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه-والسؤال على الحال:
"جناب الأخ الأستاذ الفاضل الداعية الواعية أبو الفضل عمر بن مسعود-حفظكم الله ورعاكم-:"
قول الذهبي: (هذا من العلم الوهبي) اتباع لما شاع بين الناس، ولا شك أن في الصالحين محدَّثين أي: ملهمين، وهذا يجب أن يعرض على الشرع فإن أجازه فذاك، وإلا رُدَّ كالمنامات.
وقبله قال: وصنيع الذهبي-رحمه الله-في ذلك راجع للبيئة والتقاليد والعادة، ومهمة التاريخ الوصف لا التقويم والرد، وكثيرًا ما تجده يحكي كرامات تنافي العقل والنقل، ويسكت عنها، والإنسان ابن بيئته، وأكثر من هذا ما يذكره من أحوال أمراء المماليك ومصائبهم وحروبهم وعَسفهم وجرائمهم في محاربة بعضهم بعضًا، واستحلالهم ما حرم الله من السلب والنهب والسطو والغصب، يذكر هذا ولا يتعقبه في الغالب خوفًا من ظلمهم واتعاظًا بما جرى لشيخه ابن تيمية من السجن والأذى على يدهم.
والله المستعان، وعليه التكلان. وإلى اللقاء والسلام. تطوان ظهر يوم الخميس 16 شوال الأبرك 1429 هـ من أخيكم أبي أويس"."
(2) -قال شيخ شيخنا أبو غدة في هامش (الرفع والتكميل) (ص:311) : ولكنه إلى جانب هذا قال في:"الميزان" (2/ 266) في ترجمة ابن الفارض (عمر بن علي) : (حَسِّن الظن بالصوفية) . انتهى من كتاب شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 97) .
(3) -قال شيخ شيخنا أبو غدة في هامش: (الرفع والتكميل ... ) (ص:313) : (أغفل المؤلف-اللكنوي-هنا ترجمة اليافعي على خلاف عادته، وترجم له في تعليقاته على كتابه"الفوائد البهية في تراجم الحنفية"(ص:33) ، فألخص جملة من ترجمته له هناك، قال: هو"عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي اليمني، المكي، ولد قبل سنة: 700 بقليل-سنة:698 - ولما رأى والدُه عليه آثار الصلاح، بَعث به إلى عدن، فاشتغل بالعلم،-على شيوخها-وعاد إلى بلاده، وحُبِّب إليه الخلوة، ثم جاور بمكة."
قال الأسنوي-في طبقات الشافعية" (2/ 579) : كان إمامًا يُسترشد بعلومه ويُهتدى بأنواره، صنف تصانيف كثيرة في أنواع العلوم، وكان يقول الشعر الحسن. وقال ابن رافع: اشتهر ذكره، وبَعُدَ صِيتُه في التصوف والأصول، وله كلام في ابن تيمية، وتوفي بمكة سنة:768".
ثم قال المؤلف اللكنوي:"طالعت كتابه:"مرآة الجنان"، وهو كتاب مبسوط في التاريخ مرتب على السنين، التزم فيه الرد على أبي عبد الله الذهبي في حطه على الصوفية الصافية، وبَسَط الكلام في تراجمهم بالكلمات العالية". انتهى كلام اللكنوي.
وقال الشوكاني في (البدر الطالع) (1/ 378) ، في ترجمته:"اعتمد في"تاريخه""على"تاريخ"ابن خلكان و"تاريخ"الذهبي، -أي:"العِبَر"-وقد ترجم فيه جماعة من الشافعية والأشعرية، وفيه من التعصبات للأشعري أشياء منكرة، ووصف فيه نفسَه بوصائفَ ضخمة.
قال ابن رافع: اشتهر ذكره، وبَعُد صيته، وصنف في التصوف وفي أصول الدين، وكان يتعصب للأشعري، وله كلام في ذم ابن تيمية، ولذلك غمزه بعض من يتعصب لابن تيمية من الحنابلة وغيرهم ... وهو من جملة المعظمين لابن عربي، وله في ذلك مبالغة).
انتهى كلام الشوكاني، وقال الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة) (3/ 20) ، في ترجمته بعد نقل ما تقدم عن ابن رافع:"وكان منقطع النظير في الزهد، أخبرني شيخي أبو الفضل العراقي أنه قال لهم في كلام ذُكر فيه الخضر: إن لم تقولوا: إنه حي، وإلا غضبت عليكم،!!"
وحُفظ عنه تعظيم ابن عربي والمبالغةُ في ذلك". انتهى كلام ابن حجر."
-قال أبو الفضل عمر الحدوشي: لا أدري كيف سكت الحافظ ابن حجر على هذا الكلام دون أن يعلق عليه!؟ - ...
قال اليافعي في كتابه:"مرآة الجَنان" (3/ 329/337) :"فصل في ذكر بعض المنامات المباركة الرضية، الدالة على صحة عقيدة الأشعرية، من رؤية الرسول عليه وعلى آله-وصحبه-أفضل الصلاة والسلام، وشيء من رؤية الأولياء الكرام". ثم ساق جملة كثيرة من الرؤى في نحو عشر صفحات.
وهذا شيء لا يصح الاستناد إليه في مجال العلم، بقطع النظر عن الأشعرية وغير الأشعرية، وخاصة إذا كان في بعضها ما يكون من باب الجرح والتعديل، والتنقيص والتفضيل، ولله في خلقه شؤون.
ومعذرة من إطالة هذه الترجمة، فقد كان السبب في ذلك التعريفُ بمسلك اليافعي، بالنظر إلى أنه انتقد مسلك الذهبي في بعض التراجم كما سيأتي قريبًا). انتهى من كتاب شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 123/126) .
(4) -قال شيخ شيخنا أبي غدة في هامش (الرفع والتكميل) (ص:315) : ( ... والموضع الذي يشير إليه فيه هو في الصفحات:(425/ 427) . ويوافقه ما في"تذكرة الراشد"في (ص:261/ 262) . وقد بين فيهما المواطن التي تكلم فيها اليافعي عن انحراف الذهبي عن الصوفية، وتلك المواطن في"مرآة الجَنان"في حوادث السنة: (309) .
1 -في ترجمة: (الحسين بن منصور الحلاج) (2/ 260) ، وحوادث: (520)
2 -في ترجمة: (أحمد الغزالي) (3/ 225) ، وحوادث: (578) .
3 -في ترجمة: (أحمد الرفاعي) (3/ 409) ، وحوادث: (656) .
قال فضيلة شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي في (هامش التوضيحات) (ص:35) :
(الرفاعية: نسبة إلى أحمد بن أبي الحسين الرفاعي البطائحي وهو منسوب إلى بني رفاعة قبيلة من العرب سكن أم عبيدة بأرض البطائح إلى أن مات بها عام(570 هـ) .
وقد انتهت إليه الرياسة في علوم الطريق وشرح أحوال القوم وكشف مشكلات منازلهم. وإليه تنتسب الطريقة الرفاعية.
انظر ترجمته في: (الطبقات الكبرى) للشعراني (1/ 140) . و (مظاهر الانحرافات العقدية) لإدريس محمود (1/ 158/159) .
انظر المراجع التي ترجمت للرفاعي في (معجم الفرق) (ص:187/ 188) . لإسماعيل العربي).
4 -في ترجمة: (أبي الحسن الشاذلي) (4/ 142) ، وحوادث: (683) .
5 -في ترجمة: (أبي عبد الله التلمساني) (4/ 200) وحوادث: (690) .
6 -في ترجمة: (الشاعر عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني) (4/ 216) ، وحوادث: (699) .
7 -في ترجمة: (أبي محمد المَرجاني) (4/ 234) ، وحوادث: (714)
8 -في ترجمة: (سليمان التركماني) (4/ 253) ، وحوادث: (721)
9 -في ترجمة: (عبد الله بن محمد الأصبهاني) (4/ 265) .
قلت: ولكن الذي ينظر في تراجم هؤلاء المذكورين عند اليافعي، يراه:
1 -لم يَرُقْه موقفُ الذهبي من شطحات الحلاج، الذي حكم العلماء في عصره بكفره، فقُتل على الزندقة، لأن اليافعي يراه من كبار أكابر الأولياء لله تعالى!
2 -ولم يرقه أيضًا موقف الذهبي من أحمد الغزالي، الذي ثبت عند الذهبي فيه أنه"جاءت عنه حكايات تدل على انحلاله، وكان يضع-الحديث"، كما ذكر الذهبي هذا في"الميزان" (1/ 150) ، في ترجمته.
3 -كما لم يرقه أيضًا موقف الذهبي في ترجمة السيد أحمد الرفاعي، وقد أثنى عليه الذهبي ووصفه بقوله:"الزاهد القُدوة، وكان إليه المنتهى في التواضع والقناعة ولين الكلمة والذل والانكسار، والإزراء على نفسه، وسلامة الباطن".
فأنكر اليافعي عليه وصفَه بالزاهد، وقال: كان ينبغي أن يصفه"بالعارف، أو: الإمام، أو: المرشد ..."، كما أفصح بذلك في ترجمة: السيد الشاذلي (4/ 143) ، مع أنه وصفه (بالزاهد القدوة) ، وهي مثل الإمام والمرشد.
والذهبي في ترجمة: السيد الرفاعي، بعد أن أثنى عليه"بالزاهد القدوة ..."، قال:"ولكن أصحابه-يعني أتباعَه المنتسبين إليه-فيهم الجيد والرديء، وقد كثُر الزغَل فيهم، وتجددت لهم أحوال شيطانية-منذ أخذت التتار العراق-من دخول النيران، والركوب على السباع، واللعب بالحيات، وهذا ما عرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله من الشيطان".
فاليافعي ينتقد على الذهبي في إيجاز ترجمة السيد الرفاعي في كتابه"العبر"، وقد يكون ذلك صحيحًا في الجملة، ولكن تراجم الذهبي في"العِبَر"، قل أن تتجاوز الأسطر إلى السطور.
واليافعي يريد أن تكون ترجمة السيد الرفاعي، كما يراها ويهواها من وجهة نظره الصوفي البحت، حتى في أصحابه وأتباعه الرديئين الذين تُنتقد عليهم التصرفات المشار إليها! وهذا قسر لا يلقى قبولًا عند مثل شخصية الذهبي-رحمه الله-.
4 -وكذلك اعترض على الذهبي في إيجازه ترجمة السيد أبي الحسن الشاذلي، وفي ذكره أن"له عبارات في التصوف مشكلة توهم، وتُكلِّف له في الاعتذار عنها". والاعتراض الأول صحيح، والثاني العذر فيه للذهبي.
5 -واعترض على الذهبي في ترجمة التلمساني الأول، إذ قال فيه:"وكان أشعريًا متحرِّقًا على الحنابلة". وإذا كان ذلك واقعًا فهل عليه من حرج في ذكره؟
6 -وأنكر على الذهبي وصفه التلمساني الثاني بقوله:"أحد زنادقة الصوفية"، وقال:"أما كان يكفيه-إن كان كما ذكر زنديقًا-أن يقول: أحد الزنادقة، ولا يضيفه إلى الصوفية أهل الصفاء والنور".
قلت: هذا من غَيرة الذهبي على الشريعة المطهرة، فخشي أن تقبل زندقة المذكور، المُتَبرقعة بالصوفية، فكشف عنها غطاءها ووِطاءها، ولا يقصد أن الصوفية زنادقة، وغفل أو: تغافل اليافعي عما نقله هو عن الذهبي، وقد نقله الذهبي في المذكور وهو:"وقد قيل مرة: أأنت نُصَيري-نسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن الإسلام."
قالت أم الفضل: قال عنهم ابن تيمية-رحمه الله-: النصيرية أكفر من اليهود والنصارى-قال: النصيري بعض مني"!."
7 -واعترض على إيجازه في ترجمة: المَرجاني، إذ قال فيه:"أبو محمد عبد الله المرجاني الواعظ المذكِّر، أحد مشايخ الإسلام علمًا وعملًا". إذ لم يُفخِّمه بالألقاب الكثيرة، والأوصاف الغزيرة، ونسي اليافعي أن الذهبي وصفه أنه: (أحد مشايخ الإسلام علمًا وعملًا) ، وهل بعد هذا تزكية أو: ثناء في ترجمة موجزة، ولكن اليافعي يحب أن يقول الذهبي فيه ما يقوله هو فيه، وهذا تحكم زائد وتنطع بارد!
8 -واعترض على إنكار الذهبي على التركماني بأنه"له كشف وحال من نوع أخبار الكهنة، وأنه كان يأكل في رمضان! ولا يصلي!". ثم اعتذر اليافعي عن التركماني بأعذار لا تقبل شرعًا!
9 -واعترض على إيجاز الذهبي ترجمة الأصبهاني، مع أنه وصفه بقوله:"العارف الكبير، تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي، جاور بمكة مدة، وما زار النبي-عليه الصلاة والسلام-فيها فيما انتقد عليه الشيخُ علي-الواسطي-الزاهد-رحمهما الله تعالى."
وقد صفه الذهبي بأنه (العارف الكبير ... ) ، ولكن اليافعي لا يرضيه هذا الإيجاز، وهذا الوصف الذي طالب هو الذهبي بأن يقوله في السيد الرفاعي كما تقدم، بل: يريد من الذهبي أن يترجمه كما ترجمه هو في أربع صفحات، ثم اعتذر في آخرها قائلًا:"وقد اقتصرت في ترجمة الشيخ نجم الدين الأصبهاني على هذه النبلة من فضائله، وهذه القطرة من بحر لا يوصل إلى ساحله".
وهذا الذي يريده اليافعي من الذهبي لا يمكن تحقيقه، لأن ترجمة الصوفي للصوفي، وترجمة المحدث للمحدث، غير ترجمة المحدث للصوفي، وغير ترجمة الصوفي للمحدث، فاليافعي صوفي مُوغِل متعمِّق، كما تقدم في ترجمته، والذهبي محدث ناقد مدقق، فالمسلك بينهما مختلف جدًا، نعم العمدة في المؤرخ محدثًا كان أم صوفيًا: أن يكون عالمًا منصفًا معتدلًا غير ظالم ولا مسرف ولا هاضم للمترجَم، وهذا متحقق إن شاء الله تعالى في الذهبي.
وقد تبين لك مما سبق أن ما اعترض أو: انتقد اليافعي فيه: الذهبي، أكثره الصواب فيه، مع الذهبي، والباقي القليل، المؤاخذة فيه على الذهبي خفيفة كما سبق بيانه")."
انتهى باختصار شديد من كتاب شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي: (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 97) ، وما بعدها.