وحينما يذكر المتقدمون أن النقد إنما يقوم على العلماء الجهابذة، فليس معنى ذلك أنه يقوم على دراسة الإسناد، يقول ابن أبي حاتم: (فإن قيل: فبماذا تُعْرَف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمان) [1] . ثم قال: (قيل لابن المبارك: وهذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة) [2] ...
وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثرُ أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تُتبع اليوم، لا سيما في المختلَف [3] فيهم، إذ يَتَعيَّنُ جَمْعُ حديثهم، ودراستُه من عدة أوجه:
أولها: أن ينظر في الراوي إن كان له متابع على روايته ممن هو بدرجته، أو: أكثر تفاقًا منه.
والثاني: أن يعرض حديثه على المتون الصحيحة التي هي بمنزلة قواعد كلية، وهي القرآن الكريم وما ثبت من الحديث، فإن وافقها اعتبرت شواهد لها يتقوى بها، أما الشواهد الضعيفة فلا عبرة بها.
المرحلة الثالثة: الجمع بين أقوال المتقدمين في الرواة، وبين جمع حديث الراوي وسَبْره وإصدار الحكم عليه، كما نراه واضحًا عند علماء القرن الرابع الهجري مثل:
1 -ابن حبان (ت:354 هـ) ،
2 -وابن عدي الجرجاني (ت:365 هـ) ،
3 -والدارقطني (ت:385 هـ) .
ولعل أبرز من يمثل هذه المرحلة هو ابن عدي في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال) . كان ابن عدي يعتمد أقوال المتقدمين، فيوردها عادة في صدر الترجمة، ثم يفتش حديث الرجل-وهذا يقتضي أن يجمع
(1) -كما في تقدمة: (الجرح والتعديل) (2) .
(2) -كما في تقدمة: (الجرح والتعديل) (3) .
(3) -ليس كل اختلاف في الراوي يضر، بل لابد من النظر والترجيح. انظر ما قرره المحدث الألباني في كتابه القيم: (الصحيحة) (1/ 825) .