فهرس الكتاب

الصفحة 1953 من 2833

أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده ، بل يبذل ذلك ويسمح به . ومنه قولهم أبغض حق أخيك ؟ لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده ، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه ، فمعنى ، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان ، فأبين إلاّ أن يؤدينها وأبى الإنسان إلاّ أن يكون محتملًا لها لا يؤديها . ثم وصفه بالظلم لكونه تاركًا لأداء الأمانة ، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها . والثاني: أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله: أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشدّه: أن يتحمله ويستقل به ، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه ، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها ، وضمنها ثم خاس بضمانة فيها ، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب . وما جاء القرآن إلاّ على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب ؟ لقال: أسوي العوج ، وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات . وتصوّر مقاولة الشحم محال ، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه ، كما أن العجف مما يقبح حسنه ، فصوّر أثر السمن فيه تصويرًا هو أوقع في نفس السامع ، وهي به آنس وله أقبل ، وعلى حقيقته أوقف ، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها . فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى ؛ لأنه مثلت حاله في تميله وترجحه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه . وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة ، وليس كذلك ما في هذه الآية ؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه ، غير مستقيم ، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال ، وما مقال هذا إلاّ أن تشبه شيئًا والمشبه به غير معقول . قلت: الممثل به في الآية وفي قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب . وفي نظائره مفروض ، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات: مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها . واللام في { لّيُعَذّبَ } لام التعليل على طريق المجاز: لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة ، كما أن التأديب في ضربته للتأديب نتيجة الضرب . وقرأ الأعمش: ( ويتوب ) ؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل ، ويبتدىء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت