هذه وقفات حول قول الله عز وجل: [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ[52] أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [53] ] سورة الطور, ففي هذه الآية أخبر تعالى: أن الأقوام الذين أرسل الله إليهم الرسل قد اتفقوا كلهم على اتهام المرسلين بالسحر، وهذا ما نلحظه حينما نتعرض لقصص الأنبياء,وما قاله سائر الأقوام المكذبين لأنبيائهم، فنجد أنها: كلمة واحدة، حتى كأنهم قد اتفقوا على هذا , وسيكون حديثنا في ذكر بعض النماذج من اتهام المصلحين والطعن فيهم في أمر دينهم.
إن قضية الإصلاح تستوجب صراعًا مع أهل الباطل؛ ذلك أن المصلحين يرون واقعًا لا يرضي الله فيسعون إلى تغييره، ومصالح أهل الباطل ستصطدم مع ما يدعو إليه المصلحون، فيسعى هؤلاء إلى تعويق إصلاحهم من خلال تشويه سيرتهم، ويعلم هؤلاء أن الدين هو القضية التي يدعو إليها هؤلاء، ومن ثم فالطعن في معتقدهم خير وسيلة لتنفير الناس من دعوتهم ... إنها صورة واحدة من صور الابتلاء التي يتعرض لها المؤمنون ... والابتلاء سنة ماضية لمن آمن بالله: ] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [3] [ سورة العنكبوت.
من ثمرات دراسة هذا الموضوع:
أولًا: تسلية لمن يتصدى للدعوة إلى الله, فيصيبه ما يصيبه من الابتلاء، في دينه وشخصه ، فقد كان أنبياء الله يتهمون في دينهم وربما اتهموا في أعراضهم، فغيرهم من باب أولى.
ثانيًا:حين يسمع الإنسان اتهامًا لأحد من المصلحين، سواء أكان ممن يعيش بين ظهرانيه، أو ممن مضى وسلف؛ فلن يتسرع في تصديق ذلك, وتلقيه.
نماذج من سير الأنبياء
موسى عليه السلام: لقد تعزى نبينا عليه الصلاة السلام بما أصابه فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسِلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسِلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ]فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ [ رواه البخاري ومسلم وأحمد . لقد جاء موسى عليه السلام ؛ ليخرج الناس من العبودية لفرعون إلى العبودية لله, فشعر فرعون أن في هذا تحطيمًا لألوهيته, وسلطانه على الناس، فلم يجد مبررًا أمام الناس إلا أن يتهم موسى في دينه، كما قال تعالى: ] وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [26] [ سورة غافر ,وحين صار ما صار من المناظرة بين موسى والسحرة, أدرك السحرة الحق فآمنوا بالله , حينها اتهمهم بعدم الصدق في إيمانهم، وأن هذا الإيمان جزء من مؤامرة يُستهدف فيها فرعون:] قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [123] [ سورة الأعراف ,واتهم موسى بأنه ساحر، وأنه هو الذي علم السحرة السحر:] قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [71] [ سورة طه .