ينبغي أن نلقن الأمة وأن نشيع في صفوفها هذه الدروس، وينبغي أن نرتقي بمستوانا ومستوى من حولنا ومستوى من حولنا عن سفاسف الأمور وصغائرها؛ فإنه لا يليق أن تكون الأمة محاصرة، وأن يكون أعداء الله قد جدوا لحربها وفي إنزال البلاء بها، ثم يكون انشغالنا بالدون من الأمور، وبالتافهة من القضايا، دون أن تكون مهمتنا هي أن ننصر ديننا، وأن نحمي أمتنا، وأن نرعى نشأنا، وأن ننشئ جيلنا نشأة تجدد لنا ذكر أبى بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة وأئمة الأمة من سلفها رضوان الله عليهم.
إن بإمكاننا أن نظهر في نفوسنا وفي أسرنا وفي مجتمعاتنا نصر الله - عز وجل - فيتنزل علينا بإذنه - سبحانه وتعالى- النصر {إن تنصروا الله ينصركم}
ونصركم دين الله - عز وجل - يكون أول شيء باستقامتكم على أمره.. بالتزامكم حكمه.. باتباعكم هدى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والثبات الثبات.. لاشك ولا ريب، ولا مداهنة ولا نفاق، ولا تراجع ولا ضعف، وإنما هو المضي وذلك هو الذي كان ويكون في كل وقت وآن، كلما ازدادت المحنة وكان الأيمان عظيمًا كلما ازداد أثر هذا الإيمان وتجلت صورة وظهرت آثاره وأشرقت أنواره، فإذا بها تبدد بعد ذلك كلما يعتري النفوس من ضعف أو خور أو ذلة أو قنوط ويأس..
وذلك ما ينبغي أن يكون فيما بيننا، وأن نشيعه في صفوفنا؛ فإن هذه الأمة لم ولن تهزم قط مادامت متمسكة بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وفي أتون المحنة وشدتها في وقعة الأحزاب كبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سمع خبر خيانة اليهود، وكان خبرًا كالطعنة النجلاء من الخوف قال: (الله أكبر الله أكبر أبشروا أبشروا) .
البشارة بأنه علم أن الأمة مؤمنة بربها، وواثقة بالرسول؛ ولأنها أمة ملتحمة متلاصة متوحدة فلا خوف عليها من أعداءها، وإنما الخوف من أنفسنا.. من ضعف إيماننا.. من كثرة معاصينا.. من تفرق صفوفنا.. من مجاهرتنا بالمعصية لله - عز وجل -.. من إعطائنا ولاءنا لغير الله - سبحانه وتعالى-، ولغير عباد الله المؤمنين..
هنا يكمن الخطر، وهنا تأتي الثغرات.. فالله الله في دينكم، والله الله في نصرة إخوانكم، والله الله أن يؤتي هذا الدين من قبلكم، فليكن كل منكم على ثغرة، وليكن كل منكم قائم بأمر الله - عز وجل - في نفسه أهله ومجتمعه؛ حتى يعجّل الله - عز وجل - بالنصر والتمكين إنه الولي على ذلك والقادر عليه.
الإيمان نصفان: صبر وشكر، ولما كان كذلك كان حريا بالمؤمن أن يعرفهما ويتمسك بهما، و أن لا يعدل عنهما، وأن يجعل سيره إلى ربه بينهما ومن هنا كان حديثنا عن الصبر في القرآن الكريم فقد جعله الله جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا لا يهزم، وحصنا لا يهدم. فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، والحديث عن مكانته وفضيلته آتية بإذن الله الإشارة إليه. فلا تستعجلها قبل أوانها وقبل الشروع في المقصود نبين المسائل التي سيدور عليها حديثنا وهي:
-مقدمات في تعريفه وضرورته وحكمه ودرجاته.
-فضله.
-مجالاته.
-الوسائل المعينة عليه.
-نماذج من الصابرين.
1-المقدمات:
أ تعريفه:
الصبر لغة: الحبس والكف، قال - تعالى: (( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي... ) )الآية، أي احبس نفسك معهم.
واصطلاحًا: حبس النفس على فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه الله قال - تعالى: (( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) ).
وقد أشرنا في التعريف إلى أنواع الصبر الثلاثة والباعث عليه.
أما أنواعه فهي: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. ففي قولنا (على فعل شيء) دخل فيه الأول، وفي قولنا (أو تركه) دخل فيه النوعان الثاني والثالث: أما دخول الثاني فظاهر لأنه حبس للنفس على ترك معصية الله، وأما دخول الثالث فلأنه حبس للنفس عن الجزع والتسخط عند ورود الأقدار المؤلمة.
أما الباعث عليه: فهو في قولنا (( ابتغاء وجه الله ) )قال - تعالى - (( ولربك فاصبر ) )فالصبر الذي لا يكون باعثه وجه الله لا أجر فيه وليس بمحمود، وقد أثنى الله في كتابه على أولي الألباب الذين من أوصافهم ما ذكره بقوله: (( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية ) ).
وهذا النص يشير إلى حقيقة هامة جدًا وهي أن صبغة الأخلاق ربانية فيه ليست أخلاقًا وضعية أو مادية وإنما ربانية سواء من جهة مصدر الإلزام بها أو من جهة الباعث على فعلها، فالعبد لا يفعلها تحت رقابة بشرية حين تغيب ينفلت منها، بل يفعلها كل حين وعلى كل حال لأن الرقابة ربانية، والباعث إرادة وجه الله - تعالى -.
ب أهميته:
(1) - الصبر في القرآن ( 1 ) -محمد الأحمد