وإن القلب البشري لعجيب غاية العجب , فإن لمسة واحدة تصادف مكانها لتبدله تبديلا . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن . إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه". وهكذا انقلب السحرة المأجورون , مؤمنين من خيار المؤمنين . على مرأى ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون وملئه . لا يفكرون فيما يعقب جهرهم بالإيمان في وجه الطاغية من عواقب ونتائج , ولايعنيهم ماذا يفعل أو ماذا يقول .
ولا بد أن كان لهذا الانقلاب المفاجىء وقع الصاعقة على فرعون وملئه . فالجماهير حاشدة . وقد عبأهم عملاء فرعون وهم يحشدونهم لشهود المباراة . عبأوهم بأكذوبة أن موسى الإسرائيلي , ساحر يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره , ويريد أن يجعل الحكم لقومه ; وأن السحرة سيغلبونه ويفحمونه . . ثم ها هم أولاء يرون السحرة يلقون ما يلقون باسم فرعون وعزته . ثم يغلبون حتى ليقرون بالغلب ; ويعترفون بصدق موسى في رسالته من عند الله , ويؤمنون برب العالمين الذي أرسله , ويخلعون عنهم عبادة فرعون , وهم كانوا منذ لحظة جنوده الذين جاءوا لخدمته , وانتظروا أجره , واستفتحوا بعزته !
وإنه لانقلاب يتهدد عرش فرعون , إذ يتهدد الأسطورة الدينية التي يقوم عليها هذا العرش . أسطورة الألوهية , أو بنوته للآلهة - كما كان شائعا في بعض العصور - وهؤلاء هم السحرة . والسحر كان حرفة مقدسة لا يزاولها إلا كهنة المعابد في طول البلاد وعرضها . ها هم أولاء يؤمنون برب العالمين , رب موسى وهارون , والجماهير تسير وراء الكهنة في معتقداتهم التي يلهونهم بها . فماذا يبقى لعرش فرعون من سند إلا القوة ? والقوة وحدها بدون عقيدة لا تقيم عرشا ولا تحمي حكما .
إن لنا أن نقدر ذعر فرعون لهذه المفاجأة , وذعر الملأ من حوله , إذا نحن تصورنا هذه الحقيقة ; وهي إيمان السحرة الكهنة هذا الإيمان الصريح الواضح القاهر الذي لا يملكون معه إلا أن يلقوا سجدا معترفين منيبين .
عندئذ جن جنون فرعون , فلجأ إلى التهديد البغيض بالعذاب والنكال . بعد أن حاول أن يتهم السحرة بالتآمر عليه وعلى الشعب مع موسى !
قال:آمنتم له قبل أن آذن لكم ! إنه لكبيركم الذى علمكم السحر . فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ولأصلبنكم أجمعين . .
(آمنتم له قبل أن آذن لكم) . . لم يقل آمنتم به . إنما عده استسلاما له قبل إذنه . على طريقة المناورات التي يدبرها صاحبها وهو مالك لإرادته , عارف بهدفه , مقدر لعاقبته . ولم يشعر قلبه بتلك اللمسة التي مست قلوبهم . ومتى كان للطغاة قلوب تشعر بمثل هذه اللماسات الوضيئة ? ثم سارع في اتهامهم لتبرير ذلك الانقلاب الخطير: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وهي تهمة عجيبة لا تفسير لها إلا أن بعض هؤلاء السحرة - وهم من الكهنة - كانوا يتولون تربية موسى في قصر فرعون أيام أن تبناه , أو كان يختلف إليهم في المعابد . فارتكن فرعون إلىهذه الصلة البعيدة , وقلب الأمر فبدلا من أن يقول:إنه لتلميذكم قال:إنه لكبيركم . ليزيد الأمر ضخامة وتهويلا في أعين الجماهير !
ثم جعل يهدد بالعذاب الغليظ بعد التهويل فيما ينتظر المؤمنين:
(فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين) . .
إنها الحماقة التي يرتكبها كل طاغية , حينما يحس بالخطر على عرشه أو شخصه , يرتكبها في عنف وغلظة وبشاعة , بلا تحرج من قلب أو ضمير . . وإنها لكلمة فرعون الطاغية المتجبر الذي يملك تنفيذ ما يقول . . فما تكون كلمة الفئة المؤمنة التي رأت النور !
إنها كلمة القلب الذي وجد الله فلم يعد يحفل ما يفقد بعد هذا الوجدان . القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل الطغيان . القلب الذي يرجو الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير:
(قالوا:لا ضير . إنا إلى ربنا منقلبون . إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) . .
لا ضير . لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف . لا ضير في التصليب والعذاب . لا ضير في الموت والاستشهاد . . لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون . . وليكن في هذه الأرض ما يكون:فالمطمع الذي نتعلق به ونرجوه (أن يغفر لنا ربنا خطايانا) جزاء (أن كنا أول المؤمنين) . . وأن كنا نحن السابقين . .
يا لله ! يا لروعة الإيمان إذ يشرق في الضمائر . وإذ يفيض على الأرواح . وإذ يسكب الطمأنينة في النفوس . وإذ يرتفع بسلالة الطين إلى أعلى عليين . وإذ يملأ القلوب بالغنى والذخر والوفر , فإذا كل ما في الأرض تافه حقير زهيد .
هنا يسدل السياق الستار على هذه الروعة الغامرة . لا يزيد شيئا . ليبقى للمشهد جلاله الباهر وإيقاعه العميق . وهو يربي به النفوس في مكة وهي تواجه الأذى والكرب والضيق ويربي به كل صاحب عقيدة يواجه بها الطغيان والعسف والتعذيب .