فهرس الكتاب

الصفحة 876 من 1236

الابتلاء في حياة الدعاة(1- 2 )

د. أحمد بلوافي

1 -توطئة:

لله سنن في هذا الكون يجريها على واقع المجتمعات البشرية وحركة سيرها وتغيرها وتبدلها كما يجري قوانين ثابتة مثل الجاذبية في عالم الجمادات. هذا الأمر يؤكد لنا حقيقة بديهية نحن المسلمين وهي أن هذا الكون بعالميه المتحرك والجامد يسير وفق تدبير الحكيم العليم، الذي لم يخلق كل هذا من أجل العبث أو الترفيه وإنما من أجل غايات بينها في الوحي المنزل للبشر من خلال الرسل، وفي آفاق هذا الكون الفسيح.

لكن كيف ندرك هذه السنن وكيف نستنبطها لنهتدي بمعالمها؟ ندرك ذلك من خلال قصص المتقدمين وأخبارهم وسيرهم وخاصة صراع الأنبياء مع أهل الجاهلية والمبطلين من اليوم الذي أهبط فيه آدم - عليه السلام - إلى يوم الناس هذا، يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - [1] :"والسّنة: هي العادة في الأشياء المتماثلة، و (سنة) هنا تجري على (سنه) هذا في الاشتقاق الأكبر، و (السنن) و (أسنان المشط) ونحو ذلك بلفظ (السنة) يدل على التماثل، فإنه - سبحانه وتعالى- إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم فإن ذلك لا ينقض ولا يتبدل ولا يتحول، بل هو - سبحانه - لا يفوت بين المتماثلين، وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل، كما أن من سننه التفريق بين المختلفين كما دل على ذلك القرآن، قال الله - تعالى: [أفنجعل المسلمين كالمجرمين] [القلم: 35] ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسننه لم يصح الاعتبار بها والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن وهي كثيرة"اهـ.

ويقول الدكتور محمد السلمي [2] :"والتاريخ بما يحتوي من الحوادث المتشابهة والمواقف المتماثلة يساعد على كشف هذه السنن التي هي غاية في الدقة والعدل والثبات"اهـ.

ولهذا نجد أن القرآن الكريم أطال الحديث حول قصص الأنبياء والمرسلين، وخاصة في الفترة المكية فترة الاستضعاف التي مر بها المسلمون الأوائل، ليلفت نظرهم لهذه الحقائق حتى لا يستوحشوا الطريق، فيملوا ويتخلوا عن الدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم -، وخلال الحديث عن الوقائع التي مرت بهم نجد أن الله - سبحانه - و- تعالى - يذكر ذلك ويربطه بحوادث مشابهة وقعت لمن سبقهم، ليخلص بعد ذلك إلى القانون العام الذي يحكم الحدث الذي يعيشونه والأحداث التي عاشها من سبقهم، يقول عز من قائل: [قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين] [آل عمران: 137] ، ويقول جل ذكره: [وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورًا استكبارًا في الأرض ومكر السيء، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا. أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة، وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا] [فاطر: 42 44] . وفي سورة الأعراف بعد أن ذكر - سبحانه - كوكبه من المرسلين وما حدث بينهم وبين أقوامهم، فابتدأ الحديث بقوله: [والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا] [الأعراف: 58] ، وختم تلك الجولة بقوله: [وما أرسلنا في قرية من نذير إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون. ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذنهم بما كانوا يكسبون. أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا أو هم نائمون. أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون. أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبنهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون. تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين] الأعراف: [94 - 102] .

إن إدراك هذا الأمر يمثل المفتاح الرئيس الذي سنلج من خلاله إلى موضوعنا المطروح للنقاش وبسط القول، وما سنذكره خلال ما تبقى لا يخرج عن هذا الإطار العام الذي عند العودة إلى كتاب الله ودراسته دراسة متأنية نستخلص منه تلك السنن والقوانين والأطر العامة التي تفسر لنا حركة سير المجتمعات البشرية ورقيها أو نزولها، نذكر من ذلك:

• الصراع بين الحق والباطل والتدافع بين الناس.

• تداول الأيام.

• العاقبة للمتقين والنصر للمؤمنين.

• أساس التغيير يبدأ من واقع الأنفس.

• عاقبة المكذبين بالإهلاك والدمار.

• الملأ يمثلون الخط الأول في التصدي لدعوة الأنبياء والمصلحين.

• الابتلاء أمر لازم.

2 بيان معنى أو حقيقة الابتلاء وأقسامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت