جاء في لسان العرب لابن منظور [3] : بلوت الرجل بلوًا وبلاءً وابتليته، اختبرته، وبلاه يبلوه بلوًا إذا جربه واختبره، وابتلاه الله: امتحنه والبلاء يكون في الخير والشر. اهـ.
هذه المعاني اللغوية التي تدور حولها حقيقة الابتلاء وهي: الاختبار، والامتحان، والتجريب، هي كذلك المعاني التي لا يخرج عنها المفهوم الشرعي للابتلاء من كونه امتحانًا واختبارًا للناس لصقل معادنهم بشكل عام، وللذين آمنوا ويدعون الناس إلى طريق الهدى والخير بشكل أخص، وإن كانت نتائج ذلك الامتحان والاختبار وصعوبته تختلف باختلاف المنهج والطريق الذي يختاره كل أحد، إلا أن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن كل إنسان مدرك نصيبه من ذلك لا محالة. يقول ابن القيم - رحمه الله - [4] :"فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين، إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما ألا يقول ذلك، بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا، امتحنه ربه، وابتلاه وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار، ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا، فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي المراحل في يديه"اهـ. وقد ساق ابن القيم هذا الكلام بعد ذكره للآيات من 1 إلى 11 في سورة العنكبوت.
وعلى ضوء ما تقدم فإنه يمكن تقسيم أنواع الابتلاء إلى ثلاثة:
1 ابتلاء عام، يشمل جميع البشر مؤمنهم وكافرهم، قال - تعالى: [إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه[[الإنسان: 2] ، وقال عز من قائل: ]فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه] [الفجر: 15] ، ]ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [[الأنبياء: 35] .
2 ابتلاء خاص بالمؤمن، [أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين] ، [ليبلوكم أيكم أحسن عملًا[، ] وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا].
3 ابتلاء أشد خصوصية، وهو يتعلق بالذين يدعون الناس إلى اتباع الوحي الذي أنزله لهداية البشر، وهو ما وضحه النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل:"أي الناس أشد بلاءً؟، فقال:"الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة"الحديث [5] . وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه [6] عن العياض بن حمار رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: رب إذ يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وقاتل بمن أطاعك من عصاك"اهـ."
وعندما ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع خديجة - رضي الله عنها - إلى ورقة بن نوفل بعد أن جاءه الوحي، قال له ورقة:"هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ياليتني كنت فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك!"
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أو مخرجي هم؟".
قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي"اهـ."
قال - سبحانه: [ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين] [آل عمران: 152] ، وقال جل ثناؤه: [هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا] [الأحزاب: 11] .
وقبل أن أختم هذه النقطة أود التنبيه إلى أن لفظة الابتلاء قد يعبر عنها بمدلولات أخرى مثل الفتنة، وهذا اللفظ الأخير معناه أشمل من الابتلاء [7] ، جاء في لسان العرب [8] : جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الردئ من الجيد، وجاء فيه عن ابن الأعرابي: الفتنة الاختبار، والفتنة المحنة، والفتنة المال، والفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار، وقيل الفتنة في التأويل الظلم، يقال: فلان مفتون يطلب الدنيا قد غلا في طلبها.
3 -الابتلاء في حياة الأنبياء والمرسلين ومن سار على نهجهم.
• قال - تعالى: [وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون] [الأنعام: 113] .
• [وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا] [الفرقان: 31] .
• [وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا] [إبراهيم: 16] .
• [وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلًا، سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلًا] [الإسراء: 76 77] .
• [وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه] [غافر: 5] .
• [ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا] [الأنعام: 34] .
• [فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك] [آل عمران: 184] .
• [وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك] [فاطر: 4] .
• [إن كل إلا كذب الرسل] [ص: 14] .