فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1236

وقال السعدي (1) :

هذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها فقال: { وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } بعقدها على اسم الله تعالى: { وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ } أيها المتعاقدون { كَفِيلا } فلا يحل لكم أن لا تحكموا ما جعلتم الله عليكم كفيلا فيكون ذلك ترك تعظيم الله واستهانة به، وقد رضي الآخر منك باليمين والتوكيد الذي جعلت الله فيه كفيلا. فكما ائتمنك وأحسن ظنه فيك فلتف له بما قلته وأكدته.

{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } يجازي كل عامل بعمله على حسب نيته ومقصده.

{ وَلا تَكُونُوا } في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك { كَالَّتِي } تغزل غزلا قويا فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته { أَنْكَاثًا } فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة.

وقوله: { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } أي: لا تنبغي هذه الحالة منكم تعقدون الأيمان المؤكدة وتنتظرون فيها الفرص، فإذا كان العاقد لها ضعيفا غير قادر على الآخر أتمها لا لتعظيم العقد واليمين بل لعجزه، وإن كان قويا يرى مصلحته الدنيوية في نقضها نقضها غير مبال بعهد الله ويمينه.

كل ذلك دورانا مع أهوية النفوس، وتقديما لها على مراد الله منكم، وعلى المروءة الإنسانية، والأخلاق المرضية لأجل أن تكون أمة أكثر عددا وقوة من الأخرى.

وهذا ابتلاء من الله وامتحان يبتليكم الله به حيث قيض من أسباب المحن ما يمتحن به الصادق الوفي من الفاجر الشقي.

{ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيجازي كلا بما عمل، ويخزي الغادر.

قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (17) سورة الأنفال

قال القرطبي رحمه الله (2) :

قوله تعالى: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ } أي يوم بدر . روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل: قتلت كذا ، فعلت كذا؛ فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك . فنزلت الآية إعلامًا بأن الله تعالى هو المميت والمقدّر لجميع الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده . وهذه الآية تردّ على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم . فقيل: المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم . وقيل: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم . { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } مِثله ، { ولكن الله رمى } . واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال:

الأوّل: إن هذا الرمي إنما كان في حَصْب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ رواه ابن وهب عن مالك . قال مالك: ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك . وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضًا .

الثاني: أن هذا كان يوم أُحد حين رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه؛ فَكرَّ أبيّ منهزمًا . فقال له المشركون: والله ما بك من بأس . فقال: والله لو بصق عليّ لقتلني . أليس قد قال: بل أنا أقتله . وكان قد أوعد أبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل بمكة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بل أنا أقتلك"فمات عدوّ الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة ، بموضع يقال له «سَرِف» . قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم أُحُد أقبل أبَيّ مقنعًا في الحديد على فرسه يقول: لا نجوتُ إن نجا محمد؛ فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله . قال موسى بن عقبة قال سعيد بن المسيب: فاعترض له رجال من المؤمنين ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلّوْا طريقه؛ فاستقبله مصعب بن عمير يَقِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقُتل مصعب بن عمير ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْقُوة أبَيّ بن خلف من فُرجة بين سابغة البَيْضة والدّرع؛ فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ، ولم يخرج من طعنته دم . قال سعيد: فكسر ضلعًا من أضلاعه؛ فقال: ففي ذلك نزل { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } وهذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقيب بدر .

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 447)

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2288)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت