فهرس الكتاب

الصفحة 1212 من 1236

ألا تشعر بمعنى من معاني الثبات أمام الطغيان والعذاب يدخل نفسك وأنت تتأمل هذه القصة؟.

لو تدبرت قول الله - عز وجل - في قصة موسى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 61، 62] ، ألا تحس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الظالمين، والثبات في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين وأنت تتدبر هذه القصة؟.

لو استعرضت قصة سحرة فرعون ذلك المثل العجيب للثلة التي تثبت على الحق بعدما تبين، ألا ترى أن معنى عظيمًا من معانى الثبات يستقر في النفس أمام تهديدات الظالم وهو يقول: (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وأَبْقَى) [طه: 71] - ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع وهم يقولون: (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72] .

وهكذا قصة المؤمن في سورة يس ومؤمن آل فرعون وأصحاب الأخدود وغيرها يكاد الثبات يكون أعظم دروسها قاطبة.

رابعًا: الدعاء: من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: 8] ، (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) [البقرة: 250] .

ولما كانت (قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) [6] كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك) [7] .

خامسًا: ذكر الله: وهو من أعظم أسباب التثبيت وتأمل هذا الاقتران بين الأمرين في قوله - عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) [الأنفال: 45] فجعله الله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.

(وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها) [8] بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيرًا.

وبماذا استعان يوسف - عليه السلام - في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لما دعته إلى نفسها، ألم يدخل في حصن (معاذ الله) ؛ فتكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه؟ سادسًا: الحرص على أن يسلك المسلم طريقًا صحيحًا: والطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، ذو العقيدة الصافية والمنهج السليم واتباع السنة والدليل، والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل.

وإذا أردت أن تعرف قيمة هذا في الثبات فتأمل وسائل نفسك لماذا ضل كثير من السابقين واللاحقين وتحيروا ولم تثبت أقدامهم على الصراط المستقيم ولا ماتوا عليه، أو وصلوا إليه بعدما انقضى جل عمرهم وأضاعوا أوقاتًا ثمينة من حياتهم؟ فترى أحدهم يتنقل في منازل البدع والضلال من الفلسفة إلى عالم الكلام والاعتزال إلى التحريف إلى التصوف والتفويض والإرجاء...

وهكذا أهل البدع يتحيرون ويضطربون وانظر كيف حرم أهل الكلام الثبات عند الممات فقال السلف: أكثر الناس شكًا عند الموت أهل الكلام.

لكن فكر وتدبر هل رجع أحد من أهل السنة والجماعة عن طريق سخطة بعد إذ وفقهه وسلكه؟ فقد يتركه لأهواء وشهوات أو لشبهة عرضت لعقله الضعيف، لكن لا يتركه لأنه قد رأى أصح منه أو تبين له بطلانه.

ومصداق هذا مساءلة هرقل لأبي سفيان عن أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - قال هرقل لأبي سفيان: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا.

ثم قال هرقل: (وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) [9] .

سمعنا كثيرًا عن كبار تنقلوا في منازل البدع أو هداهم الله فتركوا الباطل وانتقلوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة ساخطين على مذاهبهم الأولى، ولكن هل سمعنا العكس؟ ! فإن أردت الثبات فعليك بسبيل المؤمنين.

-يتبع -

(1) رواه الإمام أحمد والحاكم عن المقداد مرفوعًا، صحيح الجامع (5023) .

(2) رواه الطبراني عن أبي موسى مرفوعًا، صحيح الجامع (2361) .

(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/446) .

(4) المصدر السابق (2/535) .

(5) الفتح (8/229) .

(6) رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن عمر مرفوعًا.

(7) رواه الترمذي عن أنس مرفوعًا، صحيح الجامع (7864) .

(8) ما بين القوسين مقتبس من كلام ابن القيم - رحمه الله - في"الداء والدواء".

(9) رواه البخاري، الفتح (1/31) .

موسى محمد هجاد الزهراني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت