فهرس الكتاب

الصفحة 1130 من 1236

والإنسان المؤمن الواعي لا يمكن أن يغفل هذه الحقيقة، فيدع الشيطان يداهم نفسه، ويوهمها بالكمال والصلاح، فيرضى عن نفسه، ويكتفي بما بلغه من السير على طريق الكمال والصلاح؛ بل يبقى لآخر لحظة من حياته يروّض نفسه، ويربّيها على التقوى من أجل أن يضمن لها حسن العاقبة، وهو الأمر الخطير والمهمّ لدى كلّ انسان.

المنافقون شياطين الإنس

ثم ينتقل السياق ليتحدث عن شياطين الإنس المتمثّلين في المنافقين في قوله تعالى: (وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا((الاحزاب/12) فهؤلاء المنافقون يظنّون أنّ سرّهم سيظلّ خافيًا على الأمة وقيادتها الرساليّة، فيبقون يكيدون للمؤمنين في الخفاء، ولكنّ الله سبحانه شاء أن يكشف أمرهم، ويفضحهم في المواقف الحرجة، ليظهروا على حقيقتهم السوداء المنكرة، وليفضحوا على رؤوس الأشهاد، فيلعنوا على مدى الدهر.

والمنافقون أشدّ خطرًا على الأمة من الكفار والمشركين، وقد جاء التأكيد في القرآن الكريم كرارًا على خطورة وجودهم، وحركتهم الخبيثة داخل المجتمع الإسلامي. ولقد إبتلي المسلمون بداء النفاق منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية وحتّى يومنا هذا، وقد إنكشف أمر البعض منهم في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله، فتصدّى لهم المسلمون، وأوقفوهم عند حدّهم، وربّما نالوا جزاء نفاقهم؛ والبعض الآخر كشف عنهم النبي صل الله عليه وآله، ولكنه لم يستطع القيام بعمل من شأنه أن يردعهم بسبب طبيعة الظروف، فظهر دورهم التخريبي في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

الابتلاء يفضح المنافقين

فالبلاء - إذن- له مردودات إيجابية على صياغة روح المؤمنين، وجلي نفوسهم، وإظهار معدنهم الحقيقي، وبالاضافة الى ذلك فانه يعود عليهم بالنفع المتمثل في افتضاح النفاق والمنافقين في المواقف الصعبة. وهذه هي طبيعة المنافقين، والذين في قلوبهم مرض؛ أي الذين تكدّرت قلوبهم، واسودّت بالحسد، فغدت مريضة تعيش الحسد والحق والبغضاء.. فهم يحرصون على الدنيا وملاذّها، ويلهثون وراء سرابها، تاركين الجهاد في سبيل الله، ويثبّطون المؤمنين، وينالون من عزائمهم ولذلك كان حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، وبابًا من أبواب النفاق.

ومن هنا نرى أن المؤمنين الصادقين يحذرون الانغماس في ملذّات هذه الدنيا، فلا ينالون منها إلاّ ما قُدّر لهم من حلالها الطيب. ولا بأس في هذا المجال أن نزور الآثار وما فيها من الديار والقصور الفخمة والابراج والقلاع التي تركت في كلّ مكان من هذه الأرض، ففي ذلك عبرة لأولي الألباب. والإنسان المؤمن ينظر الى هذه الآثار والأطلال فيتدبّر مع نفسه، ويحدّثها، ويسائلها: أين أصبح أصحابها، أليسوا قد نُقلوا من قصورهم الى قبورهم، وغدت عظامهم بعد ذلك رميمًا؟ فما الذي أصطحبوه الى قبورهم هذه، فَلِمَ - إذن- كلّ هذا التخاصم والنزاع والتكالب على ما هو صائر الى الفناء؟!

كيف نتعامل مع الفتن

والسؤال الأخير الذي نطرحه هنا هو: كيف نتعامل مع الفتن والبلايا، ومع ما نعيشه من مشاكل لا تقلّ معاناة عن البلاء؟

إنّ التعامل هذا يكون بأن نستغلّ مشاكلنا لتربية نفوسنا، وتقوية ذواتنا، وشخصياتنا الإيمانية. وهذه المشاكل والصعاب التي تحلّ على المؤمنين لا تزيدهم إلاّ إيمانًا وثباتًا واستقامة على الطريق؛ أمّا المنافقون، فانّ أمرهم سينكشف شيئًا فشيئًا، فيسقطون كما سقط أسلافهم من ذوي القلوب المريضة. والمؤمن الحقيقي يغدو في خضم هذه الفتن والبلايا مؤمنًا إستثنائيًا على غاية من التفوّق والتميّز.

فلنستثمر هذه المآسي والمعاناة لتربية أنفسنا وتزكيتها، وتخريج جيل من المؤمنين الحقيقيين، ممن لا تغرهم الأموال والمصالح..

فلنخلص النيّة، ولنتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقنا، ولنبدأ باصلاح أنفسنا عسى الله أن يرحمنا، ويكتب أسماءنا في قائمة أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وطهّروا قلوبهم من النفاق، وكانوا في مستوى الابتلاء والتمحيص والفتنة، فخرجوا منها بوجوه بيضاء.

من أبرز حكم الله عز وجل في الحياة، حكمة الفتنة والامتحان؛ ولو عرف الانسان هذه الحكمة بوعي كامل، لانكشفت أمامه حقائق كثيرة، وزالت من قائمة إستفساراته تساؤلات كثيرة تتوارد على ذهن الانسان لتتركه حيران يبحث عن فلسفة خلقه، والسبب الكامن وراء مجيئه الى الحياة، والهدف من الصراع الدائر بين البشر والذي يفرز حالات قد تكون متباينة مثل الغنى والفقر، والظلم والأمن..

إن النفس الأمارة بالسوء لا تبقى بعيدة عن مسرح هذه الشكوك، بل تبادر الى طرح عشرات الأمثلة لزرع الوساوس في الانسان، ولتتحول هذه الوساوس بدورها الى حجب وعقد تتركز في ذهن الانسان، متحولة الى موجة عارمة لا تهديه السبيل، بل تفقده الوعي والبصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت