فهرس الكتاب

الصفحة 1022 من 1236

2-كان الصحابة أعظم القائمين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر , بل كانوا يبدءون بأنفسهم ,فقد جاء عمر رضى الله تعالى عنه يوما إلى سوق الإبل, ولفت نظره أن إبلًا سمينة معروضة للبيع أثمن من غيرها , ففكر كيف كل هذه الإبل ترعى من المدينة , فسأل لمن هذه الإبل , قالوا: هذه لعبد الله بن عمر، فسأل عمر ولده:لِمَ يا عبد الله بن عمر هذه الإبل أثمن من غيرها ؟ قال: والله يا أمير المؤمنين إن هذه الإبل اشتريتها من مالي ورعيتها مع المسلمين, قال: لا ,كان الناس يقولون: أسقي إبل ابن أمير المؤمنين , رد إبل ابن أمير المؤمنين , فلأنك ابن عمر شربت إبلك أكثر ورعت أكثر فكانت أسمن من غيرها, لا يا عبد الله لك رأس مالك, والربح لبيت مال المسلمين قال: سمعًا وطاعة يا أمير المؤمنين, فانظروا كيف الحساسية بالبدء بالنفس عند إنكار المنكر, ولذلك لما جاء رسول كسرى إلى المدينة يريد أن يرى قصورها , فلم يرَ إلا مبانٍ عادية جدا, ووجد عمر نائمًا في ظل الشجرة متوسدًا حجرا , أهذا عمر الذي دوخ العالم ؟لماذا أوقع الله هيبته في قلوب العالمين ؟ إنه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [110] [ آل عمران , جاء عن أبي الدرداء رضى الله عنه أنه قال: من يشترى منى تركة آل عاد بدرهمين يا أهل دمشق يا أهل دمشق ما لي أراكم تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون يا أهل دمشق أنه قد بلغنا أن عاد قد بنوا لبنة من ذهب و لبنة من فضة .

فلنصبر على ذلك ,ولنحتسب عند الله في كل ما يصبنا من الأذى؛ لأن العاقبة للمتقين ]وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [105] [ سورة الأنبياء .

هل كان أحد يظن أن هذا الرجل الشيخ محمد بن عبد الوهاب يذهب من قرية إلى قرية ,كلٌّ يطرده ؛ فيقبله محمد بن سعود ويتحالف معه, فكم هي قرية الدرعية بالنسبة للدولة العثمانية والعالم, ولكن لما بدأت بالتوحيد الخالص لله وبالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أظهرها ونشرها وأبقى لها الذكر الحسن إلى هذا اليوم .

وعادةً يكون انبلاج الفجر عند اشتداد الظلمة, وإذا رأيت الحق يحارب فاستبشر بأن النصر قريب ؛لأن الحق دين الله ؛ وهو مُتكفِّل به, ولن يُضيع عباده الصالحين أبدا ,كذلك لابد أن نعلم أن هذا الدين سيقوم , فإن لم يقم على يديك فعلى يدي غيرك ,وإن لم تقم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فسيخرج الله من أبناء المترفين وأبناء المجرمين أنفسهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ]وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [38] [ سورة محمد .

هذا دين الله لا يستطيع أحد أن يضره؛ ولكن هي فترات ابتلاء وامتحان لابد أن تمر كما ابتلى النبي r وهل أحد أكرم وأحظى عند الله من محمد r يحاصر في الشعب هو وبنو هاشم إلى حد أنهم أكلوا ما يدب على الأرض من الجوع, وماذا كان يوم أحد ويوم الأحزاب من الفتن والأهوال التي ذللت قلوب المؤمنين؛ ولكن في النهاية كان ذلك النصر المبين , فالصبر هو أساس النصر, والإنسان لا يدرى متى يموت فيصبر إذا على هذه الساعة يحفظها ويتقي الله فيها ]لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [186] [ سورة آل عمران ،فالمؤمنون يمتحنون ويؤذون و يصبرون, وقد لا يرون شيئا من النصر ، فهذا مصعب بن عمر رضى الله عنه ذاك الفتى الذي كان مترفا في مكة ذهب إلى المدينة, ودعى إلى الله ,وأسلم الأنصار حتى ما بقى بيت في المدينة إلا ودخله الإسلام ,وتلي فيه القرآن يُقتل يوم أحد رضى الله عنه، ولما أردوا أن يكفنوه لم يجدوا إلا رداءه , فإن غطوا رأسه بدت رجلاه , وإن غطوا رجليه بدا رأسه.

وبلادنا مستهدفة من الكفار ليس لأجل الثروة , ولالأجل الأمن , وإنما لأجل هذا الدين ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [120] [ سورة البقرة , لا يريدوننا أن نبقى مسلمين , فكل الحروب مهما اختلفت و تنوعت كلها من أجل هذه العقيدة وبالذات أنها ولله الحمد عقيدة نقية سلفية واضحة ، ولذلك فالمحافظة على هذه العقيدة ، وذب المنكرات التي تحيط بها من البدع والضلالات هو أوجب الواجبات.

من شريط الصبر على الابتلاء، للشيخ سفر الحوالي

من صالح أحمد البوريني/عمان

عضو رابطة الأدب الإسلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت