فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 1236

ومن سياق الآية الكريمة نفهم أن نفسية الحواريين تريد أن تتجاوز السنن الكونية في مراحل إنتاج الرزق"الطعام"التي يتذوق الإنسان من خلالها حلاوة الصبر في رعاية النبات وحلاوة اليقين بنزول المطر من السماء وانتظار ثمرة النبات، فعبارات الحواريين في خطابهم تدل على عدم معرفتهم بحقيقة التوحيد وتدل أيضًا على عدم معرفتهم بسنن الله في إهلاك الأمم الماضية من حيث أن بعض الأمم ثمود مثلًا طلبوا الآيات من أنبيائهم فلما نزلت عليهم كفروا وعاندوا فكانت الآيات وبالًا عليهم.

وهذه النفسية المعوجة هي التي يعتريها دائمًا الانحراف العقدي والجمود الفكري في مفاعلة الحياة، وما أشبه نفسيتنا المعاصرة بنفسية الحواريين، وأمثال تلك النفسيات لا يمكن بحال أن ترقى إلى ذرى مكارم الأخلاق إلا بعودتها إلى رحاب بناء قاعدة العدل الشامخة، وهذه القاعدة العظيمة"العدل"تعني أن نضع الشيء في موضعه اللائق المناسب، ومن العدل والإنصاف ألا نتجاوز السنن الكونية التي وضعها الباري - جل وعلا - في كل شيء، ومن ذلك عملية الإنبات الزراعي التي تسير حسب ناموس إلهي دقيق يقوم على سنة التدرج المحكمة، قال - تعالى: فلينظر الإنسان إلى"طعامه 24 أنا صببنا الماء صبا 25 ثم شققنا الأرض شقا 26 فأنبتنا فيها حبا 27 وعنبا وقضبا 28 وزيتونا ونخلا 29 وحدائق غلبا 30 وفاكهة وأبا 31 (عبس) ، وهذا الناموس الإلهي الدقيق يتسق تمامًا مع النظم والقوانين التي تحكم سير المشاريع الزراعية الحديثة حيث إن استصلاح الأراضي الزراعية وإنشاء الخزانات وإقامة السدود لا يتحقق بين عشية وضحاها إنما يحتاج إلى وقت طويل، ومن هذا المنطلق كانت تلكم القوانين تسير على نفس المبدأ"التدرج"فهي لا تحاول القفز فوق السنن الكونية وإنما تتماشى معها في دائرة المستطاع."

إن ذلك الانسجام الرائع بين السنن الكونية والطاقات البشرية وفق ناموس الله الدقيق الذي يقوم على سنة التدرج يحقق للنفس الإنسانية مبدأ التوازن والاعتدال، وهذا بطبيعة الحال يكفل لها الرفاهية والسعادة والهناء في هذه الحياة، إضافة إلى ذلك فإن تلك القوانين البشرية تكسب الشخص الذي يقوم على تنفيذها وهو المزارع بصفات هي المثل الأعلى في القيم والأخلاق، هذه الصفات هي الصبر واليقين حيث إن المزارع يعتمد على الصبر في متابعة وحماية مزرعته كما أن ظهور ثمار تلك النباتات"يحتاج إلى مدة زمنية وهذا الانتظار بطبيعة الحال يحتاج إلى صبر ونفس طويل، أما اليقين فيكون بانتظار نزول المطر وترقب موعد قطف الثمار حيث يوقن حينها بقدرة الله الفائقة قال - تعالى: وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم (البقرة: 22) وقال: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة (الحج: 63) . وعندما تتحقق هاتان الصفتان في شخص ما يتأهل تلقائيًا إلى منصب الإمامة في الدين وصدق الله القائل: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون 24 (السجدة) ."

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد

الصبر على الطاعة من أفضل أعمال البرّ: قال الشافعي:"رأيتُ شيخًا قد أتى عليه تسعون سنة، يدور نهاره أجمع حافيًا راجلًا على القينات يعلمهن الغناء، فإذا أتى الصلاة صلى قاعدًا"الصبر هو نصف الإيمان، وذلك لأن الإيمان نصفه صبر والنصف الآخر شكر، وقد ذُكِر الصبر في القرآن في تسعين موضعًا في موطن المدح والثناء والأمر به، وهو واجب بإجماع الأمة، وهو أنواع:

1.الصبر على طاعة الله، وهو أفضلها.

2.الصبر عن معصية الله - عز وجل -، وهو يلي النوع الأول في الفضل.

3.الصبر على امتحان الله - عز وجل -.

قال ابن القيم - رحمه الله:(فالأولان صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث صبر على ما لا كسب للعبد فيه.

وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدَّس الله روحه ـ يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب، وبيعه، وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، ولا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، أما صبره عن المعصية، فصبر اختيار ورضا، ومحاربة النفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة، فإنه كان شابًا، وداعية الشباب إليها قوية، وعَزَبًا ليس له ما يعوضه ويبرد شهوته، وغريبًا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه مَنْ بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا والمملوك أيضًا ليس له وازع كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟!

وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرَّمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية). [1]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت