فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 1236

درس من الحديبية

صفاء الضوي العدوي

الدعوة إلى الله - تعالى -، والقيام على ثغورها تعليمًا ووعظًا، ودفاعًا عن قضايا الإسلام ورعاية لأبناء المسلمين من غوائل الغش والإفك والتضليل الذي يمارسه الإعلام الرسمي الخائن في بلاد المسلمين، عمل جليل، بل هو المسار الصحيح والأساس للعمل الإسلامي، لكن سطوة الظالمين وعنفهم، واستفزازهم المتواصل لعلماء الإسلام ودعاته استلزم أن ينهض فريق من أبناء المسلمين لدفع ذلك الجزار الهائج الباغي عن أمة مقهورة ضعيفة يريد ذبحها.

هل رأى الناس في التاريخ الإنساني أمة تفشت فيها الأمراض، وفتكت بها الأوبئة، داهم أولياءُ أمورها الأطباءَ في بيوتهم ومستشفياتهم، وزجوا بهم في السجون لئلا يقوموا بواجبهم في علاج الأمراض ومكافحة الأوبئة؟!.

فإن كان هذا عجبًا لم يسمع به الناس، فالأعجب منه أن يقوم هؤلاء الأولياء في هذه الأمة؛ مضرب المثل، فوق ما ذكرنا، بحقن الناس بمزيد من الأمراض، وتعبئة الأجواء بكثير من الأوبئة.

إنني - أخي - لا أقص عليك خيالًا من ألف ليلة وليلة، لكنه الواقع الذي نعيشه في معظم بلاد المسلمين، فقد كانت الأمة تعيش في سالف زمانها في كامل قوتها، وتمام عافيتها، متمتعة لدى أعدائها بهيبة كبيرة، ومكانة بين الأمم عظيمة، كانت أمة مسلمة مجاهدة، يشعر أبناؤها؛ حكامًا ومحكومين بالمسئولية العظمى في صيانة الأمة وحماية الملة ودرء أي عدوان يهددها من الخارج، وسحق كل فتنة وشرّ ينبت فيها من الداخل.

ولهذا كان الجهاد، وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خطيْن موازييين لنبض الإيمان في القلوب، وانطلاقة الأمة براية التوحيد والفتوحات في الأرض. فكانت المنابر وحلقات العلم، ونهوض العلماء بواجبهم في النصح للولاة، وتعليم المسلمين ووعظهم، وإشاعة الحق والخير والعدل في المجتمع المسلم، ويقظة الجميع تجاه الأخطار التي تهدد هذا الخير من الداخل أو الخارج، كان كل ذلك من أهم معالم الخيرية في أمة الإسلام، ذلك الوصف الذي استحقته عن جدارة من القرآن الكريم في قول الله - تعالى: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) ).

وبقيت هذه الخيرية زمنًا طويلًا، ثم خلف من بعد هؤلاء الأخيار من أجدادنا خَلْف أضاعوا الدين واتبعوا الشهوات، فقلت فينا الخيرية واضمحلت، بمقدار ما اضمحل فينا العمل لهذا الدين العظيم، وغاب عنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فدب الوهن، وزاد الضَّعف، وسقطت الهمم، فتغلب العدو، فأشعل في ديارنا الحرائق التي راحت تأكل الأخلاق والفضائل التي كنا بها خير الأمم، ولما قام منا أخيار من أهل العلم ورجالات الإسلام يطفئون تلك النيران، ويستنهضون الهمم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لم تستجب الأمة بالقدر الكافي، وتباطأت..، فاستضعف الطغاةُ هؤلاء الصالحين فقتلوهم وسجنوهم وكبلوا الدعوة في كثير من بلاد المسلمين، وأطلقوا أعداءها في حملات طاغية تهدد أصول الدين وفروعه، وتخدر المجتمع كله، وتسوقه إلى الجهل والرذائل.

وكانت الصحوة الإسلامية المباركة التي أدرك نفر من أبنائها البررة أن السكوت على هذا الاجتياح الخطير لقيم الإسلام وشريعته وعقيدته خيانة للدين، فقاموا يدعون إلى الله، ويعلمون الناس أمور دينهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويصلحون ما استطاعوا ما أفسد الطغاة، لكن الطغاة استعملوا ضدهم كل ألوان العسف والظلم، ونفد صبر البعض، فرأوا - متعجلين - أن الدعوة المحاصرة والمكبلة غير قادرة وحدها على تخليص الأمة من هذا الطوفان الجارف الذي أغرق البلاد بالفساد والزندقة، ورأوا كذلك - مجتهدين متعجلين - أنه لابد أن تخرج بعض السيوف من أغمادها لتدفع عن نفسها العدوان، أو تثأر لدم أريق ظلمًا أو كرامة انتهكت عدوانًا، وكان الصراع الدامي غير المتكافىء، وكانت سلبية الأمة في مناصرة هذه السيوف التي اجتهدت وخرجت من غمدها قبل أوانها، وكان شيء من الخذلان عجيب من بعض العاملين للإسلام، وغصّت السجون بالمؤمنين، ولم يقف الطغاة عند هذا الحد، بل تجاوز طغيانهم كل حد.

كان على العاملين للإسلام أن يدركوا أنهم في ميدان الصراع مع أعداء الدعوة وأعداء الإسلام بمثابة جيش تعددت كتائبه، وأن القدر جرى في زمننا على هذا الجيش أن تقطعت الروابط بين هذه الكتائب، وضُربت غرفة العمليات وخطوط الإمداد والاتصال، لكن العجيب أن تُناكد كتيبةٌ من جيش الإيمان هذا وتناجز وتهاجم كتيبةً أخرى فيه لخطأ ارتكبته، هذا في المنطق العسكري خبل لا يتصور، لكنه في منطق بعضنا وجهة نظر!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت