فهرس الكتاب

الصفحة 1106 من 1236

رابعًا: وهذه ثمرة للوجوه السابقة، وهو تشديد الشرع في الترهيب من معاصي القلوب، وآفات النفوس لشدة خطرها، كما في قوله عليه الصلاة والسلام:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (رَواهُ مسلم عن ابن مسعود) ، وقوله:"دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" (رَواهُ البزار عن الزبير بإسناد جيد كما قال المنذري. انظر: المنتقى 1615، والهيثمي 30/8) .

وقوله:"لا تغضب"وكررها ثلاثًا، لمن قال له: أوصني (رَواهُ البُخاريُّ عن أبي هريرة) .

وقوله في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه" (رَواهُ مسلم عن أبي هُريرةَ وفي معناه عدة أحاديث ) ، وقوله:"إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم" (رَواهُ مسلم عن جابر) .

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...

سنة الابتلاء

سأل رجلٌ الإمام الشافعي رحمه الله: يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يبتلى؟

فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة.

فالابتلاء سنة الله التي لا تتخلف.

قال تعالى: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا .

وقال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا .

قد يسأل البعض: لم لم يخلق الله الناس على منحًى واحدٍ في الشكل والهيئة والرزق والآجال؟

والجواب لأن الله خلق الدنيا للابتلاء، ولا بد لكي يبتلي أن تحدث الفوارق بين الناس، ليبلو بعضهم ببعض، قال تعالى: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم {المائدة:48} .

وقال تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم {هود:118،119} .

وقال تعالى: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا {الزخرف:32} .

نافذة الابتلاء

إن مشكلة الإنسان أنه ينظر إلى الناس والكون من حوله من نافذة ابتلائه فقط، فإن كان مريضًا لم ير من الناس إلا الصحة، وإن كان فقيرًا لم ير إلا الغنى، وإن كان دميمًا لم ير إلا الحسن، إن فقد ولده نظر إلى من لم يفقد ولده، إن تيتم نظر إلى آباء الاخرين، إن ترملت المرأة نظرت إلى غير الأرامل..

وهكذا، فيستشعر المبتلى أنه وحده الذي يواجه الابتلاء في هذا الكون، ولا يشعر بنعم الله عليه فيزدريها، وفي الحديث:"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" {مسلم 2963} .

فيؤدي به هذا إلى عدم اتهام نفسه الظالمة الجاهلة التي هي منشأ كل شر يصيبه قال تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك {النساء:79} ، ولقد ذكر الله تعالى عقوبات الأمم السابقة من آدم إلى آخر وقت، وفي كل ذلك يبين أنهم ظلموا أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون، وأول من اعترف بذلك أبواهم: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين {الأعراف:23} .

فالعارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة من الله عليه، ومطالعة عيب النفس والعمل، وهذا هو معنى حديث سيد الاستغفار، موضع الشاهد: أبوء لك بنعمتك علي (مشاهدة المنة) وأبوء بذنبي (مطالعة عيب النفس) ، فمشاهدة المنة تورث الحب الكامل لله تعالى، ومطالعة عيب النفس تورث الذل التام لله، ومدار العبادة على هاتين القاعدتين: حب كامل، وذل تام.

الصحابة والابتلاء:

علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصحو في الصباح الباكر فيبحث هو وفاطمة عن شيء من طعام فلا يجدانه، فيرتدي فروًا على جسمه من شدة البرد ويخرج، ويتلمَّس ويذهب في أطراف المدينة، ويتذكر يهوديًا عنده مزرعة، فيقتحم عليٌّ عليه باب المزرعة الضيق الصغير ويدخل، ويقول اليهودي: يا أعرابيُّ، تعال وأخرج كل غَرْبٍ بتمرة (والغرب هَو الدلو الكبير) ، أي يخرجه من البئر معاونة للجمل، فيشتغل على رضي الله عنه معه برهة من الزمن حتى تَرِمَ يداه ويكلَّ جسمه، فيعطيه بعدد الغروب تمرات ويذهب بها ويمر برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعطيه منها، ويبقى هو وفاطمة يأكلان من هذا التمر القليل طيلة النهار.

عتبة بن غزوان رضي الله عنه، يستغرب وهو يخطب الناس الجمعة، كيف يكون في حالة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع سيد البشر يأكل معه ورق الشجر مجاهدًا في سبيل الله، في أرضى ساعات عمره وأحلى أيامه، ثم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أميرًا على إقليم؟ إن الحياة التي تقبل بعد وفاة الرسول حياة رخيصة حقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت