فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 1236

ومعنى قوله تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ((النور/55) إن هذا الدين من شأنه أن يتمكن ويسيطر في الأرض سيطرة كاملة، وإذا ما ثبت وتمكن واستقر وتعمقت جذوره، فان هذا الدين سوف يكون لمصلحة العاملين في سبيل الله. وبهذا التعبير، أي قوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا((النور/55) يبين لنا الله أن مسيرتنا تكتنفها المشاكل والمخاوف، ولكن العاقبة ستنتهي الى أن يعيش المؤمن في زمن وفي أرض يعبد فيهما الله وحده، وهذه النعمة تأتي نتيجة للتضحيات.

بعد ذلك يقول عز وجل: (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ((النور/55) . فبعد أن يسقط الله تعالى الطغاة، ويحطم الأصنام بيد المؤمنين، يظهر أناس يكفرون بالنعمة بدل أن يشكروها، وتجرفهم مذاهب الدنيا، فلا يفكرون إلاّ في مصالحهم، وقضاياهم الشخصية.

حكمة الوجود

والنتيجة النهائية التي نستوحيها من الآيات القرآنية السابقة؛ إن علينا أن ننظر دائمًا الى حكمة الوجود، ولا نعيش في التمنيات والأحلام. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الدنيا لكي يفرض على أهلها عبادته كرها، بل يريد منهم الاختبار والامتحان. فعليهم أن يسعوا ويتحركوا ويبذلوا الجهود لكي يحققوا حياة آمنة، وعليهم أن يتقبلوا البلاء والفتنة ليعرف مدى إيمانهم، وصدق أقوالهم. ففي حالات الرفاه ترفع شعارات كثيرة، أما في حالة الشدة فان الأمور تختلط مع بعضها. فيجب علينا أن نجعل دائمًا أفق تفكيرنا أفقًا ربانيًا من خلال نظرة إلهية وبصيرة ربانية، وأن ننتبه الى حكمة الوجود.

إن على الواحد منا - كمثال - أن لا يسيء الظن بالله تعالى بسبب إنزلاق رجله وهو في طريق ذهابه الى المسجد، فبوقعته هذه سيحصل على ثواب مضاعف. وقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال:"إن الله إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه وتعهده بالبلاء، كما يتعهّد المريض أهله بالطرف، ووكل به ملكين فقال لهما: اسقما بدنه، وضيّقا معيشه، وعوَّقا عليه مطالبه، حتى يدعوني فانّي اُحبُّ صوته، فاذا دعا قال: اكتبا لعبدي ثواب ما سألني وضاعفا له حتّى يأتيني، وما عندي خير له، فإذا أبغض عبدًا وكل به ملكين، فقال: أصحّا بدنه ووسّعا عليه في رزقه، وسهّلا له مطلبه، وأنسياه ذكري، فأنّي اُبغض صوته حتّى يأتيني، وما عندي شرٌّ له". (1) فان دعوت الله من أعماق قلبك فسوف تحصل على بعض الثواب، في حين إنه عز وجل يريد لك أن تحصل على المزيد من هذا الثواب، ولذلك يؤخر إستجابة دعائك.

إن الثواب الذي حصلنا عليه قليل، وميزان صالحاتنا ما يزال خفيفًا، والله يريد أن يثقل هذا الميزان من خلال الابتلاء كالاضطهاد والهجرة، وما الى ذلك. والايمان يزداد ويتعمق في حالات كهذه، والثواب في الآخرة يزداد، وميزان الحسنات سيكون أرجح وأثقل من ميزان السيئات، وعلى الانسان المؤمن أن لا يرفض قدرًا من أقدار الله جل وعلا عليه.

إن الواحد منا - بسبب معارضته للطغاة- قد يدخل السجن ويعذب أو يستشهد، ولكن كل ذلك هو بلاء بسيط بالقياس الى نار جهنم وعذاب الله وسجنه الرهيب. فالانسان لا يمكن أن تنتهي حياته هناك كما يقول تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ َكَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا((النساء/56) .

فالعذاب لا ينتهي، والانسان المنحرف يتحسس بالألم دائمًا. والى هذا المعنى يشير الإمام السجاد عليه السلام في دعائه:"وإن يكن ما ظللت فيه أو بت فيه من هذه العافية بين يدي بلاء لا ينقطع و وزر لا يرتفع فقدِّم لي ما أخّرتَ وأخِّر عليَّ ما قدّمتَ فغير كثير ما عاقبته الفناء وغير قليل ما عاقبته البقاء".

من دعائه عليه السلام:"إذا دُفع عنه ما يحذر أو عجل له مطلبه".

فكل ما كان في الدنيا هو قليل، لأن الدنيا تنتهي. وكل ما كان في الآخرة كثير، وإن بدا ظاهره قليلًا لأنه لا ينتهي.

فلتتجه أنظارنا الى يوم القيامة، فهذه الدنيا ليست إلاّ معبرًا، فلو دامت لغيرنا لدامت لنا أيضًا. فهي لم تَصفُ حتى للأنبياء والصديقين، فكيف تصفو لنا. فهي دار الابتلاءات والامتحانات، فلنحاول أن نجتازها بوجوه مبيضة لدى رب العالمين.

الانسان لم يخلق عبثًا، ولذلك فانه لم يترك سدى. والهدف من الحياة، وخصوصًا حياة الانسان إمتحانه، وابتلاء سرائره، وليتم الله حجته عليه. وفي هذا المجال يقول تعالى في محكم كتابه: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ((الانبياء/35) .

وهكذا فان على الانسان أن يتسلح بسلاح الحذر واليقظة. فلو غفل لحظة واحدة، فانه سيخسر عمره كله. وهذا هو الخسران المبين.

إن أولئك الذين اختاروا الحق هدفًا، وخططوا للوصول إليه بوعي، واستقاموا على طريقهم، كانت عاقبتهم خيرًا. أما الذين خارت عزيمتهم، وضعفت إرادتهم، وأحاطت بأبصارهم الغشاوات، فانهم سوف لا يخسرون حياتهم الدنيا فحسب، وإنما سيخسرون أيضًا الآخرة، وسيعضّون على أيديهم من الندم، وهيهات أن ينفعهم الندم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت