(7) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (5) ، وقد اختلف في وصله وإرساله، وصححه ابن حبان (30) ، والحاكم (381) ، ووافقه الذهبي، والحافظ في الفتح (10/407) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (2025) .
(8) أخرجه أبو داود في الأدب (4992) وقال:"لم يذكر حفص أبا هريرة، ولم يسنِده إلا هذا الشيخ"، يعني: علي بن حفص المدائني.
محمد بن سليمان الحماد
الرياض
جامع التركي
الخطبة الأولى
عباد الله، إليكم هذه القصة التي وثّقها لنا ربنا في كتابه العزيز؛ لنقف معها ونتدبّرها، فإن القصص في القرآن ما قصّها الله إلا للعبرة والتفكر، فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176] ، يقول الله تعالى في سورة الأعراف: وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:163-166] .
ذكر ابن كثير وغيره عن ابن عباس أن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت، فعظموه وتركوا ما أمِروا به، فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحلّ لهم في غيره، وكانوا في قرية حاضرة البحر يقال لها: أيلة بين مدين والطور، فحرم عليهم في السبت الحيتان صيدها وأكلها، فكانوا إذا كان السبت أقبلت عليهم إلى ساحل البحر شُرَّعا ظاهرة، حتى إنها لتخرج خراطيمها من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمت مقل البحر كشأن الأسماك، فلم ير منها شيء.
فكانوا كذلك حتى طال عليهم الأمد، فعمد رجل منهم فأخذ حوتا سرّا يوم السبت، فحزمه بخيط ثم أرسله في الماء وأوتد له وتدا في الساحل، فأوثقه ثم تركه حتى إذا كان الغد جاء فأخذه أي: إني لم آخذه يوم السبت، فانطلق به فأكله ولعله شواه، فوجد الناس رائحته، حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، فتتبّعوا حتى عثروا على صنيع ذلك الرجل، ففعلوا كما فعل، وصنعوا ذلك سرا زمنا طويلا، فلم يعجّل الله عليهم العقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها في الأسواق، فقال لهم طائفة منهم من أهل البقيّة: وَيحَكم اتقوا الله، ونهوهم عما كانوا يصنعون، فأجابوهم: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فصاحوا فيهم: إنما صيدكم يومَ وثقتموه، فقالت طائفة ثالثة قد سكتوا عن النهي والإنكار قالوا للطائفة الناهية الواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا أي: إنهم ارتكبوا جرما عظيما قد نهاهم الله عنه، وسنة الله فيمن خالف أمره معروفة، فقالوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: إعذارا إلى الله وقياما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: لعلهم يذكرون ويتوبون ويقلعون عن معصيتهم.
فلما أبوا وبغوا قال البقية: والله لا نساكِنكم، فقسموا القرية بجدار، وجعلوا لهم بابا، وللمعتدين بابا آخر، فبينما هم على ذلك أصبحت ذات يوم البقية في أسواقها ومساجدها ولم يروا المعتدين، فذهبوا ينظرونهم في قريتهم وحصنهم فإذا هم يتعادون ويثِب بعضهم على بعض قردة لهم أذناب، ففتحوا عليهم الباب فانتشروا في الأرض، فصار الأنسيّ لا يعرف نَسبَه من القردة، والقِردة تعرف أنسابها من الأناسي، فتأتي القردة إلى قريبها من الأنس، فتشمّ ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم؟! فتقول برأسها: بلى، وكان عددهم سبعين ألفا، وأنجى الله الذين ينهون عن السوء والمنكر، فمكث المعتدون ثلاثة أيام لا يأكلون ولا يشربون، ثم أماتهم الله جميعا.
الوقفة الأولى: لقد ابتلى الله أهل تلك القرية بنوع من البلاء قد غفل عنه الكثير من الناس اليوم؛ حيث إن الناس يحسبون الابتلاء نوعين: إما بالخير ورغد العيش، وإما بالشر والمصائب، ويستشهدون بقول الله: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، ويجهلون معناها، والحق أن هناك نوعا ثالثا هو أشد الأنواع وأخطرها، وقد رتب الله على من أخفق وخسر فيه عقوبة شديدة، ألا إنه الابتلاء بالمعاصي والفتن، فأولئك القوم قد نهاهم الله عن صيد السمك يوم السبت، فصار السمك في حقهم في ذلك اليوم معصية وإثما، ثم قربه الله إليهم ويسره لهم ليبتليهم ويختبرهم.
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4762)