فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 1236

وقال السعدي (1) :

هذا من منن الله على عباده، أن أخبرهم بما سيفعل قضاء وقدرا، ليطيعوه ويقدموا على بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } لا بد أن يختبر الله إيمانكم.

{ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ } أي: بشيء غير كثير، فتكون محنة يسيرة، تخفيفا منه تعالى ولطفا، وذلك الصيد الذي يبتليكم الله به { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } أي: تتمكنون من صيده، ليتم بذلك الابتلاء، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح، فلا يبقى للابتلاء فائدة.

ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء، فقال: { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب { مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ } فيكف عما نهى الله عنه مع قدرته عليه وتمكنه، فيثيبه الثواب الجزيل، ممن لا يخافه بالغيب، فلا يرتدع عن معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه { فَمَنِ اعْتَدَى } منكم { بَعْدِ ذَلِكَ } البيان، الذي قطع الحجج، وأوضح السبيل. { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: مؤلم موجع، لا يقدر على وصفه إلا الله، لأنه لا عذر لذلك المعتدي، والاعتبار بمن يخافه بالغيب، وعدم حضور الناس عنده. وأما إظهار مخافة الله عند الناس، فقد يكون ذلك لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك.

قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (92) سورة النحل

قال القرطبي (2) :

قوله تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا } النّقض والنّكث واحد ، والاسم النكث والنقض ، والجمع الأنكاث . فشبَّهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويُبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتِله مُحْكَمًا ثم تَحُلّه . ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى رَيْطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة كانت تفعل ذلك ، فبها وقع التشبيه؛ قاله الفراء ، وحكاه عبد الله بن كثير والسُّدِّي ولم يسمِّيا المرأة . وقال مجاهد وقتادة: وذلك ضَرْبُ مثلٍ ، لا على امرأة معيّنة . و «أنكاثا» نصب على الحال . والدَّخَل: الدَّغَل والخديعة والغش . قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحًا فهو دَخَل . { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } قال المفسرون: نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة كثيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى قاله مجاهد فقال الله تعالى: لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو أكثر أموالًا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم المشركين . والمقصود النّهْي عن العَوْد إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم . وقال الفراء: المعنى لا تغدِروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم ، وقد عززتموهم بالأيمان . { أَرْبَى } أي أكثر؛ من رَبَا الشيء يربو إذا كثر . والضمير في «به» يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به . ويحتمل أن يعود على الرباء؛ أي أن الله تعالى ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضِهم الظهورَ على بعض ، واختبرهم بذلك ليرى من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل بمقتضى هواها؛ وهو معنى قوله: { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من البعث وغيره .

وقال الرازي (3) :

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في المشبه به قولان:

القول الأول: أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن .

والقول الثاني: أن المراد بالمثل الوصف دون التعين ، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحًا ، والدعاء إليه إذا كان حسنًا ، وذلك يتم به من دون التعيين .

المسألة الثانية: قوله: { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } أي من به قوة الغزل بإبرامها وفتلها .

المسألة الثالثة: قوله: { أنكاثا } قال الأزهري: واحدها: نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه .

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 243)

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3183)

(3) - تفسير الرازي - (ج 9 / ص 458)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت