وسئل الشافعي - رضي الله عنه - فقال:"يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل، أن يمكَّن فيشكر الله - عز وجل -، أو يبتلى بالشر فيصبر"؟ فقال الشافعي: لا يمكَّن حتى يبتلى، فإن الله - تعالى -ابتلى نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة". (3) هذا، وقد أبان القرآن الكريم أن في الصبر الخير الكثير..من ذلك:"
1.أنه دلالة استحقاق رضاء الله ودخول جنته، وعلامة على صدق الإيمان، قال - تعالى:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين"142 (آل عمران) .
"والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار"22 (الرعد) .
2.اختبار وامتحان ليميز الله به الخبيث من الطيب:"لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور"186 (آل عمران) .
"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"155 (البقرة) .
قد يكون الاختبار حصارًا اقتصاديًا، وقد يكون حصارًا حربيًا، في كل ذلك جوع وخوف ونقص في المال، وفتنة للناس وتأليب لهم على المصلحين، ولكن الصبر هو النجاة.. الصبر والعمل، والكفاح والتعب في وسط هذه الأجواء الصعبة، هو الخلاص.
3.التغلب على كيد الأعداء، بصبر الكفاح والجهاد والعمل قال - تعالى:"إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط"120 (آل عمران: 120) .
فالقلوب الحاقدة، والتدبير السيء، لا يثبت أمام صبر الرجال وكفاحهم، نعم ستكون جراح وضحايا، ولكنهم يألمون كما نألم، ويخسرون كما نخسر، ولكننا سنربح ولا يربحون، ونفوز ولا يفوزون، وصبر الإيمان لا يحد، وجهاد أصحاب العقائد لا ينكسر، وهذا هو الطريق الذي لا بديل عنه، والذي سار فيه العاملون المخلصون فانتصروا:"ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين"34 (الأنعام) ،"فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل" (الأحقاف: 35) .
والأمة اليوم تحتاج في تلك الأزمة الشرسة إلى الثبات والصبر الصادق الذي يزلزل الأعداء ويقوي السواعد، ويشد العزائم، ولئن كان المسلم مستباحًا اليوم أمام ترسانة الأسلحة المهولة التي لا قبل له بها، فإن كفاح الصابرين وثبات المجاهدين قد هزَّ كيان الباغي وعصف باستقراره، فصار يهزي ولا يعقل، ويضرب ولا يعي، ويقصف ولا يفكر، كأنه ملتاث أو مجنون، وإن أمة تفتقد إلى كل شيء، وضيعت كل شيء، يخرج منها اليوم قلة من المجاهدين الصامدين لا يهابون ولا يكترثون بهذا العدوان هنا وهناك، ويستطيعون تغيير سياسات دول كبرى، وتبديل مخططات وتوجهات قوى عالمية ويخوضون أعتى الأزمات في ظروف غاية في الصعوبة بكفاءة أربكت كل الأعداء، وكل الحسابات، لهي أمة واعدة إن صبرت وصابرت وائتمرت بأمر ربها، فاصبروا حتى"يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين 87 (الأعراف) صدق الله العظيم."
الهوامش
(1) مفردات الراغب، ص 527.
(2) بصائر ذوي التمييز 3-383.
(3) الفوائد لابن القيم، بتصرف.
الدكتور يوسف القرضاوي
هذا مجال لخلق الصبر في القرآن، وهو الصبر على مشاق الدعوة إلى الله - تعالى -، وما يحفّ بها من متاعب وآلام، تنوء بها الظهور، وتضعف عن حملها الكواهل إلا من رحم الله.
وذلك أن أصحاب الدعوة إلى الله يطلبون إلى الناس أن يتحرروا من أهوائهم وأوهامهم وموروثاتهم ومألوفاتهم، ويثوروا على شهوات أنفسهم، ومعبودات آبائهم، وعادات أقوامهم، وامتيازات طبقاتهم، وينزلوا عن بعض ما يملكون إلى إخوانهم، ويقفوا عند حدود الله فيما أمر ونهى، وأحل وحرم، وأكثر الناس لا يؤمنون بهذه الدعوة الجديدة فلهذا يقاومونها بكل قوة، ويحاربون دعاتها بكل سلاح، مدلين بأنهم أكثر مالًا، وأعز نفرًا، وأقوى نفوذًا، وأوسع سلطانًا.. فليس أمام دعاة الحق إلا أن يعتصموا باليقين، ويتسلحوا بالصبر في وجه القوة الضاربة، والسلطة الطاغية.
فالصبر هنا - كما قال الإمام علي:"سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، وضياء لا يخبو"، وكما جاء في الحديث الصحيح:"الصبر ضياء".
وهذا هو السر في اقتران التواصي بالصبر بالتواصي بالحق في سورة العصر: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: 2 - 3) . فلا بقاء للحق بغير صبر.