قال الثاني: (( اللهم إنه كانت لي ابنة عمّ كانت أحبّ الناس إلي ) )وفي رواية: (( أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبت إليها نفسها ـ أي: طلبت منها ما يطلب الرجل من زوجة ـ فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين ـ أي: ألمت بها حاجة ـ قال: فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه ـ أي: لا تزل عفافي وبكارتي إلا بزواج صحيح ـ قال: فقمت عنها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم ) )، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
الله أكبر عباد الله، مخافة الله جعلت هذا الرجل ينصرف عن ابنة عمّه، والتي تمكن منها بعد أن وعظته بتقوى الله عز وجل.
أما الثالث فقال: (( اللهم إني كنت استأجرت أجيرًا بفَرَق أرُزٍّ، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي، فعرضت عليه فَرقَه فرغب عنه، فثمّرتُ أجره ـ أي: كثّرت أجره بتنميته حتى أصبح مالًا كثيرًا ـ قال: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فارتعجت، فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورِعائها فخذها، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، خذ ذلك البقر ورعاءها، فأخذه فذهب به، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي، ففرج الله ما بقي، فخرجوا يمشون ) )متفق عليه.
الله أكبر عباد الله، حفظ مال أجيره، بل ونماه، ولمّا رجع إليه أخذ كل شيء له، سبحان الله عباد الله، أين هذا الرجل لينظر صورَ الظلم لهؤلاء الأجراء والعمال في هذا الزمن وما يقوم به الكفلاء نحو مكفوليهم؟! بعضهم يؤخر مرتبه شهورًا عديدة أو يعطيه جزءًا منه ويماطل في الجزء المتبقي، فيتذلل هذا العامل لكفيله، ولربما سابقت دموعُه كلماتِه، لكن دون جدوى، فأين هؤلاء من قول المصطفى: (( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) )رواه ابن ماجه؟!
عباد الله، من أعظم العبر والدروس من قصة هؤلاء الثلاثة التعرف على الله في الرخاء، فإن هؤلاء الثلاثة دعوا الله بإخلاص، واستذكروا أعمالًا صالحة كانوا تعرفوا فيها على الله في أوقات الرخاء راجين أن يتعرف إليهم ربهم مقابلها في أوقات الشدة، كما ورد في الحديث الصحيح: (( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) )رواه أحمد.
وانظروا ـ عباد الله ـ فضل بر الوالدين وخدمتهما وإيثارهما على الولد والأهل وتحمل المشقة لأجلهما، وانظروا ثمرة العفاف والكف عن الحرام، وكذلك فضل حُسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل بعد الشدة فرجًا، ومن الضيق سعة ومخرجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله، يقول الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأرْضِ أَءلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62] ، وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر:60] ، وقال عليه الصلاة والسلام لابن عباس: (( واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا ) )رواه أحمد وصححه الألباني، وكتب عمر لأبي عبيدة: (مهما نزل بامرئٍ من شدة إلا جعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين) .
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من عباده المتقين، ولازموا الاستغفار، فمن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب.
اللهم اجعل لنا من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، اللهم فرّج همّ المهمومين ونفِّس كرب المكروبين، اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه...
أسامة بن عبد الله خياط
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا عبادَ الله، اتّقوا الله وابتَغوا إليه الوسيلةَ، وتوكّلوا عليه وأنيبُوا إليه، وأحسِنوا الظنَّ به، وادعُوه خوفًا وطمَعًا، واذكروا وُقوفَكم بَين يدَيه، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِئٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] .
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4509)