فهرس الكتاب

الصفحة 970 من 1236

ويجبُ تركُ القيل والقال الذي كَرِهه الله لعبادِه كما أخبر بذلك رَسول الله بقولِه في الحديث الصحيح المتّفَق عليه عنِ المغيرة بن شعبَةَ رضي الله عنه أنّ رَسولَ الله قال: (( إنَّ اللهَ تعالى حَرَّم عليكم عقوقَ الأمّهات ووأدَ البناتِ ومَنعًا وهات، وكَرِه لكم قيلَ وقال وكَثرةَ السؤال وإِضاعةَ المال ) ) (6) [6] ، ويدخل فيه التّحديثُ بكلِّ ما يسمعُه المرء، فقد زجرَ النبيّ عن ذلكَ في الحديث الذي أخرجه مسلِم في صحيحه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّه قال: (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع ) ) (7) [7] ، وفي لفظٍ لأبي داودَ في سننِه بإسنادٍ صَحيح: (( كفى بالمرء إِثمًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمِع ) ) (8) [8] .

وإنَّه إذا كانَ حَريًّا بالمسلِم اتِّباعُ هذا النّهج الراشدِ السَّديد كلَّ حين فإنَّ اتباعَه له في أوقاتِ الشَّدائدِ وأزمِنةِ المِحن أشدُّ تأكّدًا وأقوَى وجوبًا وألزم امتثالًا، وصدقَ تعالى إذ يقول: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] .

نفَعني الله وإيّاكم بهديِ كتابهِ وبسنّة نبيِّه ، أقول قَولي هذا، وأستَغفِر الله العَظيم الجليلَ لي ولَكم ولسائر المسلِمين مِن كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغَفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إنّ الحمدَ لله نحمده ونستَعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ لَه، ومن يضلِل فلا هاديَ له، وأشهَد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، وأشهَد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلّم عليه وعلى آله وصَحبِه.

أمّا بعد: فيا عبادَ الله، اتّقوا اللهَ واعلَموا أنّكم مُلاقوه، وراقبوه وتوكّلوا عَليه، وأخلِصوا له، وحقِّقوا توحيدَكم، فإنَّ توحيدَ العبدِ ربَّه صمامُ الأمان وضَمانُ الفوزِ وأصلُ السَّعادةِ وسببُ دخولِ الجنّةِ والنّجاةِ من النّار.

واعلَموا أنَّ خيرَ الحديثِ كِتاب الله، وخَيرَ الهدي هدي محمّد بن عبد الله، وشرّ الأمورِ محدثاتها، وكلّ محدثةٍ بدعَة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النّار، وعليكم بالجماعة، فإنَّ يدَ الله علَى الجماعة، ومَن شذّ شذّ في النّار.

واذكروا على الدوام أنَّ الله تعالى قد أمَركم بالصلاة والسلام على خاتم النبيّين ورحمة الله للعَالمين، فقال سبحانه في الكتاب المبين: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورَسولِك محمّد، وارضَ اللَّهمّ عن خلَفائه الأربعة...

(1) أخرجه أحمد (1/185) ، والترمذي في الزهد (2398) ، وابن ماجه في الفتن (4022) وغيرهم، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (2900) ، والحاكم (1/40، 41) ، والضياء في المختارة (1056) ، ورمز له السيوطي بالصحة وعزاه من بين ما عزاه للبخاري، قال المناوي في الفيض (1/519) :"وعزوه إلى البخاري تبع فيه ابن حجر في ترتيب الفردوس، قيل: ولم يوجد فيه"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (143) .

(2) وهو قوله: (( تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وسنتي ) )، أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الجامع (1661) بلاغًا، ووصله الحاكم (1/93) ، والدارقطني (4/245) ، وابن عبد البر في التمهيد (24/331) ، والبيهقي (10/114) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال ابن عبد البر:"وهذا محفوظ معروف مشهور عن النبي عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد"، ثم ذكر له شواهد، وصححه ابن حزم في الإحكام (6/243) ، وحسن الألباني إسناد الحاكم في مشكاة المصابيح (186) ، وانظر: السلسلة الصحيحة (4/361) .

(3) طريق الهجرتين (ص417) .

(4) صحيح البخاري: كتاب الزكاة (1469) ، صحيح مسلم: كتاب الزكاة (1053) .

(5) انظر: طريق الهجرتين (ص415) . وروي من كلام العباس في دعائه لما طلب منه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن يستسقي لهم، عزاه الحافظ في الفتح (2/497) للزبير بن بكار في الأنساب وسكت عنه. وروي من كلام عمر بن عبد العزيز، انظر: مجموع الفتاوى (8/163) .

(6) صحيح البخاري: كتاب الاستقراض (2408) ، صحيح مسلم: كتاب المساجد (593) .

(7) صحيح مسلم: مقدمة صحيحه (5) ، وقد اختلف في وصله وإرساله، وصححه ابن حبان (30) ، والحاكم (381) ، ووافقه الذهبي، والحافظ في الفتح (10/407) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (2025) .

(8) سنن أبي داود: كتاب الأدب (4992) وقال:"لم يذكر حفص أبا هريرة، ولم يسنِده إلا هذا الشيخ"، يعني: علي بن حفص المدائني.

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

الخطبة الأولى

(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4558)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت