قال تعالى: { وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } [السجدة/23، 24]
وفي التفسير الوسيط (1) :
أى: وجعلنا من بنى إسرائيل أئمة في الخير والصلاح ، يهدون غيرهم إلى الطريق الحق ، بأمرنا وإرادتنا وفضلنا ، وقد وفقناهم لذلك حين صبروا على أداء ما كل فناهم به من عبادات ، وعلى مشاق الدعوة إلى الحق ، وعلى كل أم يستلزم الصبر وحبس النفس .
وفى ذلك إرشاد وتعليم للمسلمين ، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين ، ممن كانوا قبلهم ، وأن يبلغوا دعوة الله إلى غيرهم بصبر ويقين .
وقوله - سبحانه - { وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } زيادة في مدحهم ، وفى تقرير أنهم أهل للإِمامة في الخير . أى: وكانوا بسبب إداركهم السليم لمعانى آياتنا: يوقنون إيقانًا جازمًا بأنهم على الحق الذى لا يحوم حلوه باطل وبأنهم متبعون لشريعة الله - تعالى - التى لا يضل من اتبعها وسار على نهجها .
ثم أشار - سبحانه - إلى أن بنى إسرائيل جميعًا لم يكونوا كذلك ، وإنما كان منهم الأخيار والأشرار ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه العادل ، فقال: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده الذى يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة ، فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا من أمور متنوعة . على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية .
الخطبة الأولى:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
حديثنا اليوم عن معادلة إيمانية نصها:"الصبر واليقين طريق النصر والتمكين".
تلك المعادلة الإيمانية نطقت بها الآيات القرآنية، وشهدت بها الحوادث التاريخية، وصدقتها الوقائع الحاضرة، وتثبت كذلك في الوقائع المستقبلية.. ذلك أنها من سنن الله - عز وجل - ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.
إن الإيمان إذا رسخ في القلب، وإن اليقين إذا تعمّق في النفس تولّد منه الصبر على ما يقّدره الله - عز وجل - من البلاء، وينبثق عن ذلك الثبات على نهج الرسل والأنبياء، ويؤسس كل ذلك على يقين راسخ برب الأرض والسماء، ثم لا يلبث الليل الطويل - من الظلم والعسف والطغيان - أن ينبلج بفجر النصر والعز والتمكين لأهل الأيمان، ولا تلبث القوى الأرضية - التي تتآمر على أهل الأيمان - أن تذهب ريحها، وتتفرق صفوفها، وأن يصبح بأسها بينها شديدًا، وأن تكون حصادًا للأيدي المتوضئة تخلص منها البلاد والعباد وتدرأ شرورها عن هذه الحياة.
وإذا تأملنا في كتاب ربنا، وفي سيرة نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، ثم نظرنا إلى واقعنا الذي نعيشه؛ فإننا نرى أن تشبث أهل الأيمان بإيمانهم وصبرهم على ما يلاقون في طريق الأيمان والدعوة والجهاد في سبيل الله وثباتهم دون تغيير ولاتبديل هو الذي يؤذن - بإذنه - سبحانه وتعالى- أن ينزل نصر الله - جل وعلا - وأن يعجّل به، وأن يعجّل بهزيمة أعداء الله - سبحانه وتعالى-.
والصبر واليقين هما عمادا الإمامة في الدين، والله - جل وعلا - يقول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .
والله - سبحانه وتعالى- خاطب نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {فاصبر إن وعد الله حق} .
الصبر لا يدوم، والثبات لا يستمر إلا عندما يكون القلب موصولًا بالله، والثقة عظيمة في نصر الله، واليقين لا يعتريه الشك في وعد الله - عز وجل -، وذلك يثبت المؤمن بإذن الله - عز وجل -، كما قال - سبحانه وتعالى-: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} .
وانظر إلى الأمر الرباني الذي يوصي أهل الأيمان بأن لا يحيدو عن نهجه قيد شعره، وأن لا يغيروا ولا يبدلوا.. {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطو واتقوا الله لعلكم تفلحون} .
إنه الصبر والمصابرة والمرابطة والاستمرار والثبات الموصول بيقين راسخ في الله - عز وجل: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} .
ويأتي هذا الفلاح في صورة طمأنينة في القلوب، وسكينة في النفوس، وثبات في الأقدام، ووضوح في الحجة والبرهان في هذه الحياة الدنيا.
ثم كذلك يتجلى في صور من النصر، وفي صور من الظفر لم تكن تخطر على بال ولا ترتبط ولا تتلائم مع القوى الضعيفة والعدة القليلة لأهل الأيمان في مواجهة أهل الكفر والطغيان والعاقبة من بعد ذلك عند الله - عز وجل: {جنات عرضها السماوات والأرض} .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3388)