فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 1236

ثم لما فتح الله للمسلمين دار الهجرة في المدينة؛ بعد أن وجد فيها مسلمون بايعوا القيادة الإسلامية على الولاء المطلق ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره ، وحماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يحمون منه أموالهم وأولادهم ونساءهم؛ وقامت الدولة المسلمة في المدينة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد رسول الله فآخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة التي تقوم مقام رابطة الدم والنسب كذلك بكل مقتضياتها . بما في ذلك الإرث والديات والتعويضات التي تقوم بها رابطة الدم في الأسرة والعشيرة . . وكان حكم الله تعالى:

{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } . .

أولياء في النصرة ، وأولياء في الإرث ، وأولياء في الديات والتعويضات وسائر ما يترتب على رابطة الدم والنسب من التزامات وعلاقات .

ثم وجد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة؛ ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلًا . . لم يهاجروا إلى دار الإسلام التي تحكمها شريعة الله وتدبر أمرها القيادة المسلمة؛ ولم ينضموا إلى المجتمع المسلم الذي أصبح يملك دارًا يقيم فيها شريعة الله؛ ويحقق فيها وجوده الكامل؛ بعدما تحقق له وجوده في مكة نسبيًا ، بالولاء للقيادة الجديدة والتجمع في تجمع عضوي حركي ، مستقل ومنفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه له بهذا الوجود المستقل المميز .

وجد هؤلاء الأفراد سواء في مكة ، أو في الأعراب حول المدينة . يعتنقون العقيدة ، ولكنهم لا ينضمون للمجتمع الذي يقوم على هذه العقيدة؛ ولا يدينون فعلًا دينونة كاملة للقيادة القائمة عليه . .

وهؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم؛ ولم يجعل الله لهم ولاية - بكل أنواع الولاية - مع هذا المجتمع ، لأنهم بالفعل ليسوا من المجتمع الإسلامي . وفي هؤلاء نزل هذا الحكم:

{ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق }

وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين - التي أسلفنا - ومع منهجه الحركي الواقعي . فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم؛ ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية . . ولكن هناك رابطة العقيدة؛ وهذه لا ترتب - وحدها - على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد؛ اللهم إلا أن يعتدى عليهم في دينهم؛ فيفتنوا مثلًا عن عقيدتهم .

فإذا استنصروا المسلمين - في دار الإسلام - في مثل هذا ، كان على المسلمين أن ينصروهم في هذه وحدها . على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع معسكر آخر . ولو كان هذا المعسكر هو المعتدي على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم! ذلك أن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم وخطته الحركية وما يترتب عليها من تعاملات وعقود . فهذه لها الرعاية أولًا ، حتى تجاه الاعتداء على عقيدة أولئك الذين آمنوا ، ولكنهم لم ينضموا للوجود الفعلي لهذا الدين المتمثل في التجمع الإسلامي .

.. وهذا يعطينا مدى الأهمية التي يعلقها هذا الدين على التنظيم الحركي الذي يمثل وجوده الحقيقي . .

والتعقيب على هذا الحكم: { والله بما تعملون بصير } . .

فكل عملكم تحت بصره - سبحانه - يرى مداخله ومخارجه ، ومقدماته ونتائجه ، وبواعثه وآثاره .

وكما أن المجتمع المسلم مجتمع عضوي حركي متناسق متكافل متعاون يتجمع في ولاء واحد ، فكذلك المجتمع الجاهلي: { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } . .

إن الأمور بطبيعتها كذلك - كما أسلفنا . إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد؛ إنما يتحرك ككائن عضوي ، تندفع أعضاؤه ، بطبيعة وجوده وتكوينه ، للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه . فهم بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا . . ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص ، ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى . فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض ، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده . ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام؛ وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله؛ ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى . وهو أفسد الفساد: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } . .

ولا يكون بعد هذا النذير نذير ، ولا بعد هذا التحذير تحذير . . والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة ، يتحملون أمام الله - فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها - تبعة تلك الفتنة في الأرض ، وتبعة هذا الفساد الكبير .

قال تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (25) سورة الأنفال

قال الرازي (1) :

(1) - تفسير الرازي - (ج 7 / ص 390)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت