قال: فأنزل الله عز وجل - لاندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه- (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى) (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى) (العلق: 9 ) (عَبْدًا إِذَا صَلَّى) (أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى) (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) (أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) ( [8] ) (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) (فَلْيَدْعُ نَادِيَه) (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [ العلق: 6 - 19] ( [9] ) .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أبو بكر الحميدي بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد: 1 )
أقبلت العوراء أم جميل ( [10] ) ولها ولولة ( [11] ) وفي يدها فهر ( [12] ) وهي تقول:
مذمما أبينا ( [13] ) *** ودينه قلينا ( [14] ) *** وأمره عصينا
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد , ثم قرأ قرآنًا اعتصم به - كما قال - وقرأ
(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) (الإسراء: 45 )
فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر , ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت: يا أبا بكر إني أُخبرتُ أن صاحبك هجاني , فقال: لاورب هذا البيت ماهجاك , قال: فولَّت وهي تقول: قد علمَتْ قريش أني بنت سيدها ( [15] ) .
ومن أمثلة ذلك ماسبق من خبر أبي جهل حينما هدد بفضخ رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر فمنعه الله تعالى منه .
ولكن الله تعالى يمكِّن الكفار أحيانًا - كما في الخبر السابق - من إيصال الأذى لرسوله صلى الله عليه وسلم , وذلك لرفع ذكره في العالمين , وليكون قدوة لأتباعه المؤمنين في الرضا بقضاء الله تعالى , والصبر الجميل على الأذى .
وقد يمكِّن الله تعالى أهل الباطل من أهل الحق برهة من الزمن فيقومون بالتنكيل بأهل الحق ومحاولة إسكات أصواتهم , ولكن سرعان ماينهار بناؤهم أمام تماسك أهل الحق وصدق تمثيلهم لدينهم , كما قال الله (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) (آل عمران: 111 )
( [1] ) الفتح الرباني 20/223 .
وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح - مجمع الزوائد 8/228 .
وأخرجه أبو نعيم من طريق ابن عباس رضي الله عنهما دلائل النبوة لأبي نعيم /60 .
وأخرجه الحاكم بنحوه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه - المستدرك 3/157 .
( [2] ) صحيح مسلم رقم 1794 , كتاب الجهاد , صحيح البخاري رقم 2934 كتاب الجهاد .
( [3] ) مجمع الزوائد 6/18 .
( [4] ) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( [5] ) يعنى إلى أبيه .
( [6] ) دلائل النبوة لأبي نعيم /162 .
وأخرجه أيضًا الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي - المستدرك 2/539 - وحسن إسناد الحاكم الحافظ ابن حجر - فتح الباري 4/39 - .
( [7] ) يعني هل يلصق وجهه بالعفر وهو التراب ويعني بذلك السجود .
( [8] ) يعنى أبا جهل .
( [9] ) صحيح مسلم , كتاب المنافقين /رقم 2797 ص 2154 .
( [10] ) هي امرأة أبي لهب المذكورة في السورة .
( [11] ) أي عويل .
( [12] ) أي حجر .
( [13] ) تريد محمدًا صلى الله عليه وسلم , وهكذا كان الكفار يسمونه على سبيل السخرية .
( [14] ) أي أبغضنا .
( [15] ) مسند الحميدي 1/153 / 154 , رقم 323 .
وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من طريق الحميدي , وذكر مثله , وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي - المستدرك 2/361 .
قال تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) [الأحقاف/35] }
قال القرطبي (1) :
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 5172)