محمد بن عبد العزيز الشمالي
الخطبة الأولى
أما بعد: عباد الله، اتقوا الله حق التقوى كما أمركم الله بذلك فقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) [النساء: 1] ، وقال - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [آل عمران: 102] ، وقال - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [الحشر: 18] .
أما بعد: فقد أخبر المصطفى بأنه ستكون في آخر الزمان فتن كما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله أنه قال: (( بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل ) )رواه الحاكم (4/485) ، وفي زمن تكثر فيه الشهوات والشبهات التي تصرف المرء عن دينه يقول الرسول: (( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) )رواه الترمذي (4/526) ، وكان - عليه الصلاة والسلام - يقول: (( إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء ) )، ويقول - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم: (( لقلب ابن آدم أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا ) )، وقال أيضا: (( إنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة ـ أي: بالصحراء ـ تعقلت في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن ) ).
ويقول الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه *** ولا القلب إلا أنه يتقلب
وكان - عليه الصلاة والسلام - يكثر من هذا الدعاء: (( اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك ) ).
ونهج منهجه الصحابة الكرام والأئمة الأعلام من سلف هذه الأمة، فقد كانوا أشدَّ الناس خوفًا على قلوبهم مع حرصهم وكثرة طاعتهم لله - سبحانه وتعالى -؛ لهذا كله ولأننا نعيش هذه الأيام في فتن تلاطمت وشُبَه انتشرت وأنواع من الردّة خرجت حتى أصبح المرء يخشى على نفسه عدم الثبات والخوف من أن ينكص على عقبيه كفرًا والعياذ بالله أو عصيانا أو بعدًا أو جفاءً عن طاعة الله فازدادت الحاجة إلى معرفة عوامل الثبات على دين الله، لأننا جمعنا بين تقصير في طاعة الله وأمن من عقابه وبين مجتمعات انتشر فيها الباطل على أرقى المستويات، أما سلفنا الصالح فإنهم كانوا يجمعون بين طاعة الله ومجتمع صالح يعينهم على ذكر الله، ومع ذلك فقد كانوا يخافون على أنفسهم من الزيغ وعدم الثبات، فهل تبصر المسلمون اليوم بعوامل الثبات على دين الله وأنهم أشد حاجة إلى معرفتها والعمل بها والدعوة إليها؟!
إخوة الإسلام، إن من رحمة الله - عز وجل - بنا أن بين لنا في كتابه وعلى لسان نبيه وفي سيرة نبيه وسائل كثيرة للثبات لعلنا نتناول بعضًا منها، فمن هذه العوامل:
أولًا: الإقبال على كتاب الله، ( كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) [الفرقان: 32] ، لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفوس، ولأنه يزوّد المسلم بالتصوّرات الصحيحة لواقعهم، فيردّ على الشبهات ويفضح المخططات. والإقبال على القرآن يكون بتلاوته وحفظه ومعرفة تفسيره والعمل به، فداوم على تلاوته، ولا تقطع صلتك به، ولا تعرض عنه.
ثانيًا: الالتزام بشرع الله والإكثار من الأعمال الصالحة والسنن الرواتب والنوافل المطلقة، ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ) [محمد: 17] ، (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة ) [إبراهيم: 27] .
وهذا والله واضح ومرئي رأي العين، وإلا فهل نتوقع ثباتًا من الكسالى القاعدين والعصاة المنافقين إذا أطلقت الفتنه رأسها وادلهم الخطب؟! ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) [الصف: 5] .
ثالثًا: ومن عوامل الثبات على دين الله والاستمرار عليه تدبر قصص الأنبياء ودراستها والتأسي بها، وَكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: 12] ، فكم نالهم عليهم الصلاة والسلام من الأذى والعذاب والفتن من أقوامهم.