ومن رحمة الله بنا أنه قد يجعل في الذنب نذنبه دواءً لمرض عضال لا نقوى على مواجهته، وهذا المعنى هو ما أكده الإمام ابن القيم في روائعه حين قال:"ولعل الله قد سقى أخاك بهذا الذنب دواءً استخرج به داء قاتلًا هو فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو، ولا يطالعها إلا أهل البصائر، ولا يأمن كَرَّات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله".
لذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لوم وتقريع المذنبين حتى ولو كانوا من أصحاب الكبائر، وبيَّن أن أقصى ما يملكه المجتمع حيال هؤلاء هو إقامة حد الله عز وجل عليهم، وليس للناس من سبيل عقاب على هؤلاء خلاف ذلك، لا قبله ولا بعده. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" (رواه البخاري) ، أي لا يعيِّرها ولا يوبخها، فقد نالت عقابها الذي كتبه الله عز وجل عليها، والسوط الذي ضُرِبَت به إنما كان بيد مقلب القلوب، والقصد هو إقامة الحد، لا التعيير والتثريب، وليس لسيدها أن يلومها أو يعيرها، وإن فعل فقد تعدى على حكم الله عز وجل بالإضافة والزيادة.
وذاك دأب وخلق جميع أنبياء الله، ومنهم يوسف - عليه السلام - الذي رغم ما فعله إخوته معه، ورغم قسوتهم وافترائهم عليه، ورغم تهيئة الله عز وجل لموقف يستطيع فيه الانتقام منهم أو على الأقل توبيخهم وتقريعهم، إلا أنه عليه السلام قال لهم: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( يوسف: 92) ، ولاحظ معي تذييل تسامحه معهم بالدعاء لهم بالمغفرة، وتأميلهم في رحمة الله عز وجل.
إن الفتنة لا تؤمن على حي، ولتأكيد هذا المعنى في نفوس المؤمنين، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء؛ وهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق به سبحانه وتعالى وأقربهم إليه وسيلة؛: وإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ( الإسراء: 73-75) . وقال صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ"، وكان صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ" (رواه بن ماجة) .
آية فاروق- صبحي مجاهد**
الزلازل.. ظاهرة طبيعية ورسالة ربانية
ما زال الجدل دائرا حول علاقة البعد الإيماني بما يحدث من مصائب وكوارث، وتنامى الأمر عقب أحداث زلزال"تسونامي"الذي ضرب منطقة"جنوب شرق آسيا"، وأصبح تحليل ذلك وتوضيحه من أهم القضايا التي يدلي فيها العلماء، وأساتذة علم النفس، والجيولوجيين برأيهم فيها.
ومن الغريب أننا وجدنا اتفاقا بين علماء الدين، والنفسيين، وأساتذة الجيولوجيا بأن هناك علاقة بين المعاصي والسلوكيات الخاطئة للأشخاص وبين حدوث الكوارث الطبيعية والزلازل، كما وجدنا أن الشارع العام لم يختلف معظمه عن ذلك.. بل إن البعض منهم رأى أن الأساس في حدوث الزلازل هو ارتكاب المعاصي والذنوب، وأن التفسيرات العلمية لهذه الظاهرة هي مجرد تبريرات ثانوية.
آراء الناس
ولم يقف الأمر في تحليل حدوث الزلازل عند العلماء والمتخصصين حيث أعرب كثير من الناس عن تحليلاتهم وأطروحاتهم لأسباب الزلزال.. فمنهم من يراه مجرد ظاهرة علمية، وآخر يؤكد أنه غضب إلهي، وغيره يجزم بأنه ابتلاء.. وغيرها من الآراء التي تأرجحت بين النظرة الإيمانية لهذه الكارثة والفطرة العلمية..
فيرى إسماعيل فخر الدين - مدرس اللغة الإنجليزية بإحدى المدارس التجريبية في مصر الجديدة (37 عاما) - بأن زلزال"تسونامي"الذي يعد أكبر الزلازل في العصر الحديث ما هو إلا عقاب من الله عز وجل؛ لأن هذه المنطقة مشهورة بالسياحة (الجنسية) ، ومعظم من يرتادها يكون قاصدا الفحش، مستنكرا أن يكون مجرد ظاهرة علمية.. على اعتبار أن الزلازل تحدث في شتى أنحاء العالم، وآخر زلزال كان عام 1992م في مصر، ولم يكن بهذه القوة الفظيعة.. ومع ذلك اجتمعت معظم الآراء على أنه عقاب على فسوق البعض، ولذلك سعى الكثير من الناس وقتها إلى معرفة دينهم أكثر، وانتشر الحجاب بين الفتيات الصغيرات.
وتتفق معه الدكتورة مها سيد أحمد (42 سنة) وتعمل في أحد المعامل الخاصة، من أن هذه الشعوب بغت كثيرًا وطغت، وانتشر فيها الفساد، لذلك عاقبها الله، وفي نفس الوقت ينذرنا جميعا، بأن القوة له سبحانه وتعالى، وأننا لا نملك أن نعيش ثانية، إلا إذا شاء الله عز وجل.. مؤكدا أن الزلزال بلا شك قد يكون ابتلاء للمؤمنين، لاختبار قوة إيمانهم واحتمالاهم مصاعب ما بعد الزلازل.