قلت: ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى: { مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ } [ النساء: 123 ] وقد مضى القول فيه . قال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين ، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة . وقيل: هذا خطاب للكفار ، وكان إذا أصابهم شرّ قالوا: هذا بشؤم محمد؛ فردّ عليهم وقال بل ذلك بشؤم كفركم . والأوّل أكثر وأظهر وأشهر . وقال ثابت البُنانِيّ: إنه كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا . ثم فيها قولان: أحدهما أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم ، وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم . الثاني أنها عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة . { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود؛ وهو مقتضى قول الحسن . وقيل: أي يعفو عن كثير من العصاة ألاّ يعجل عليهم بالعقوبة . { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض } أي بفائتين الله؛ أي لن تعجزوه ولن تفوتوه { وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } تقدّم في غير موضع .
قال تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) } [الروم]
قال السعدي (1) :
قال تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، وأحوال الدنيا والآخرة.
{ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ.
وحاصل ما ذكر اللّه من آداب الدعاء: الإخلاص فيه للّه وحده، لأن ذلك يتضمنه الخفية، وإخفاؤه وإسراره، وأن يكون القلب خائفا طامعا لا غافلا ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة، وهذا من إحسان الدعاء، فإن الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولهذا قال: { إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه، المحسنين إلى عباد اللّه، فكلما كان العبد أكثر إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى.
وقال القرطبي (2) :
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 291)
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4337)