فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 1236

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد/22، 23]

قال السعدي (1) :

يقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ } وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ولهذا قال: { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } أي: متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، كما قال تبارك وتعالى: { ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بل هي فتنة }

{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في الشر البخل: وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها، { وَمَنْ يَتَوَلَّ } عن طاعة الله فلا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } الذي غناه من لوازم ذاته، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم، الحميد الذي له كل اسم حسن، ووصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه ويثنى ويعظم.

وقال القرطبي (2) :

قوله تعالى: { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض } قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار . وقيل: الجوائح في الزرع . { وَلاَ في أَنفُسِكُمْ } بالأوصاب والأسقام؛ قاله قتادة . وقيل: إقامة الحدود؛ قاله ابن حيان . وقيل: ضيق المعاش؛ وهذا معنى رواه ابن جريج . { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } يعني في اللوح المحفوظ . { مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } الضمير في «نَبْرَأَهَا» عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع . وقال ابن عباس: من قبل أن يخلق المصيبة . وقال سعيد بن جبير: من قبل أن يخلق الأرض والنفس . { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } أي خَلْق ذلك وحِفْظ جميعه { عَلَى الله يَسِيرٌ } هيّن . قال الربيع بن صالح: لما أخِذ سعيد بن جبير رضي الله عنه بَكَيت؛ فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه . قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون ، ألم تسمع قوله تعالى: { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ } الآية . وقال ابن عباس: لما خلق الله القلم قال له اكتب ، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة . ولقد ترك لهذه الآية جماعةٌ من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكّلًا عليه ، وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة ، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا؛ قال الله تعالى: { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } . وقد قيل: إن هذه الآية تتصل بما قبل ، وهو أن الله سبحانه هوّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتلٍ وجرح . وبيّن أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران ، فالكل مكتوب مقدّر لا مدفع له ، وإنما على المرء امتثال الأمر ، ثم أدبهم فقال هذا: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ } أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق؛ وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فُرِغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه . وعن ابن مسعود أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:" «لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» ثم قرأ { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ } "أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم { وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ } أي من الدنيا؛ قاله ابن عباس . وقال سعيد بن جبير: من العافية والخصب . وروى عِكرمة عن ابن عباس: ليس مِن أحد إلا وهو يحزن ويفرح ، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرًا ، وغنيمته شكرًا .

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 842)

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 5480)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت